تولي الولايات المتحدة اهتماماً خاصاً للصراع في اليمن؛ كون اليمن تحتل موقعاً جغرافياً حيوياً للمصالح الأمريكية، إذ يُعد مضيق باب المندب الذي تشرف عليه الأراضي اليمنية ممراً لما يزيد عن 5 مليون برميل من النفط يومياً و10% من تجارة الغاز الطبيعي المُسال عالمياً، مما يتطلب تأمين حركة النقل البحري في هذا المضيق من أي تهديدات محتملة ناتجة عن الحرب الدائرة في اليمن، كما تشتمل الحرب في اليمن على تهديد لأمن حلفاء الولايات المتحدة في الخليج وفي مقدمتها السعودية والإمارات.

بدأت التظاهرات في اليمن ضد حكومة علي عبد الله صالح في 15 كانون الثاني 2011 واستمرت لتفرز تطورات متتالية نتج عنها تخلّي علي عبد الله صالح عن السلطة لنائبه عبد ربه منصور هادي وفق ما تسمى بالمبادرة الخليجية، بعدها تأزمت الأوضاع أكثر عندما اندلعت معارك بين الأطراف الفاعلة في اليمن والمتمثلة بجبهة أنصار الله الحوثية وحكومة عبد ربه منصور هادي، قامت السعودية على أثرها وبدعم أمريكي بتشكيل تحالف عربي لمواجهة الحوثيين والموالين للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح في عملية عسكرية سُميت بعاصفة الحزم، ومن ثم في مرحلة لاحقة عاصفة الأمل ليتسع الصراع في اليمن ويأخذ أبعاداً محلية وإقليمية ودولية.

ما يهمنا في هذا المقال هو بيان الموقف الذي تبنته الولايات المتحدة تجاه الصراع في اليمن منذ بدايته وحتى وصول بايدن إلى البيت الأبيض، فقد واجهت إدارة أوباما صعوبات في التعامل مع الصراع في اليمن ذو الطبيعة المتغيرة، الأمر الذي يجعل من الصعوبة وضع إستراتيجية ناجحة واضحة المعالم اتجاه الحرب مابين الحوثيين المدعومين من إيران من جهة وأنصار الرئيس عبد ربه منصور هادي المدعوم سعودياً من جهة أخرى، واضطر أوباما إلى سحب القوات الأمريكية من اليمن بعد تقدّم الحوثيين في أماكن عدة، واكتفى بتقديم الدعم للسعودية وحلفائها في حربهم مع الحوثيين، وهناك اعتقاد إن أوباما في طريقة تعامله مع حرب اليمن أراد إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات بشأن البرنامج النووي، وبالمجمل فإن إدارة أوباما كانت قد تبنّت رؤية مفادها أن الحل للصراع في اليمن لن يتحقق إلا عن طريق الحوار الجاد، لذلك رفضت إدارة أوباما الانخراط المباشر في تلك الحرب.

وبشأن آلية إدارة ترامب للتعامل مع الحرب في اليمن فقد اهتم ترامب بالصراع في اليمن معتبراً إياه ميداناً للحدّ من النفوذ الإيراني في المنطقة ومنعها من السيطرة على طرق الشحن الدولي في البحر الأحمر وخصوصا تجارة الطاقة، لذلك كثّفت إدارة ترامب من دعمها للسعودية في حربها ضد الحوثيين.

وما يمكن ملاحظته أن السياسة الأمريكية تجاه الصراع في اليمن خاضعة لقيود منها ما هو مرتبط بالوضع اليمني الداخلي، إذ يبدو أن الموقف الأمريكي نابع من محاولة إيجاد عدو لتنظيم القاعدة داخل اليمن، والخيار المناسب لذلك حسب الرؤية الأمريكية هو تنظيم إسلامي شيعي يتمثل بالحوثيين، فضلا عن أن الولايات المتحدة أدركت حجم التعقيدات في المشهد السياسي والأمني في اليمن والمتمثلة بضعف سلطة حكومة عبد ربه منصور هادي، وكذلك دعوات الانفصال من جماعات الحراك الجنوبي، فضلا عن تغيّر طبيعة التحالفات بين الأطراف المتصارعة في اليمن ما بين آونة وأخرى.

أمّا القيود الإقليمية فتتمثل بالتحالف الأمريكي مع دول الخليج الذي يتسم بنوع من الرسوخ ولا يمكن التراجع عنه سواء من جانب الولايات المتحدة أو دول الخليج نفسها وما يترتب على هذا التحالف من حماية أمريكية لأمن هذه الدول من أي تهديد، كما أن إشراف اليمن جغرافياً على طرق الملاحة الدولية في البحر الأحمر يدفع الولايات المتحدة إلى الاهتمام بما يجري فيها والعمل على ضمان أمن هذه الطرق من تهديدات الحرب اليمنية فضلا عن قيود أخرى منها ضرورة تهدئة الصراع الأمريكي الإيراني وضمان عدم الوصول إلى الصدام المباشر ومن الطبيعي أن يكون الموقف مع الحوثيين هو أحد أدوات التهدئة.

وبعد وصول بايدن إلى رئاسة البيت الأبيض بدا أن إدارته تتبع نهجا جديدا للتعامل مع ملف الحرب اليمنية يختلف عن نهج سلفه ترامب مع الاحتفاظ بالثوابت والمصالح الستراتيجية الأمريكية المتمثلة بحفظ أمن الحلفاء الخليجيين وعدم السماح لإيران باتخاذ اليمن منطقة نفوذ وكذلك سلامة وأمن الملاحة في البحر الأحمر، وفي خطوة أولى تدلل على تغيير إدارة بايدن لموقف الولايات المتحدة اتجاه الحرب في اليمن قامت إدارة بايدن برفع جماعة أنصار الله الحوثية من قائمة المنظمات الإرهابية بعد أن قامت إدارة ترامب في نهاية فترتها الرئاسية بإدراج الحوثيين ضمن قائمة الإرهاب العالمية.

ويتماشى هذا القرار مع السياسة الجديدة لإدارة بايدن والتي ترى أن تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية قد أضرّ بتقديم المساعدات الإنسانية في اليمن، ولم تكتفي إدارة بايدن بذلك بل أعلنت عن تعليق بعض مبيعات الأسلحة للسعودية، ثم أعلنت عن وقف الدعم لها في حربها ضد الحوثيين، ويبدو أن هذه القرارات جاءت لتعطي زخما لجهود الحل السياسي والدبلوماسي في اليمن رغم قناعة الولايات المتحدة بصعوبة ذلك في ظل تعقيدات المشهد اليمني وتناقض رغبات الفصائل المسلحة المتعددة.

وعند الحديث عن دوافع إدارة بايدن لإحداث التغيير في السياسة الأمريكية تجاه الصراع في اليمن يمكن القول: "إن بايدن استشعر رفضا شعبيا ومؤسساتيا أمريكيا واضحا للدعم الأمريكي اللامحدود للسعودية في حربها في اليمن خصوصا بعد نتائج الحرب الكارثية على الوضع الإنساني للشعب اليمني، كما أن هناك من يرى وجود ترابط بين قرار بايدن بشأن إلغاء الدعم للسعودية في حربها في اليمن وبين رغبة الإدارة الأمريكية في عودة التفاوض مع طهران بشأن برنامجها النووي الذي أظهرت إدارة بايدن في أكثر من مناسبة عن رغبتها بالوصول إلى تفاهم جديد مع طهران يتضمن إيجاد حل لمشكلة البرنامج النووي والعقوبات المفروضة على إيران".

ويبدو الاختلاف بين ترامب وبايدن واضحا في ما يتعلق بنهجهما في التعامل مع حرب اليمن التي خلفت 110 ألف قتيل، ففي الوقت الذي حاول ترامب توظيف الحرب في اليمن لتحجيم الدور الإيراني في المنطقة من خلال تشكيل تحالف عربي بقيادة السعودية، نرى أن بايدن أدرك أن الحرب في اليمن من غير الممكن حسمها عسكريا لصالح أي من الأطراف، لذلك لا بد من العمل على التأسيس لحوار شامل بين الأطراف كافة يهيئ الأجواء لاتفاق سلام يضمن عدم المساس بالمصالح الأمريكية ويعيد ترتيب ملفات المنطقة بالشكل الذي يهدئ التوتر في الكثير من الجبهات.

وبناء على ما سبق يمكن القول: "إن الموقف الأمريكي تجاه الصراع في اليمن قد شهد تحوّلا واضحا بعد وصول بايدن إلى البيت الأبيض بشكل بدأت معه الآمال بإنهاء الحرب اليمنية وإنقاذ الشعب اليمني من آثار هذه الحرب الكارثية على المستويات الإنسانية والاقتصادية والأمنية.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2021Ⓒ
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5