بقلم: م.م. زهراء موسى جابر

ينظر إلى ظاهرة العزوف الإنتخابي على إنها سلوك سياسي يعبر عن رفض وسخط الشعب للنخب السياسية الحاكمة والمسيطرة على مفاصل الدولة والعملية السياسية برمتها، ويرى البعض بأنها بمثابة إفلاس للنظام السياسي القائم، إذ تمثل هذه الظاهرة أهم معوقات العملية السياسية الديمقراطية، وهذا بدوره يعكس حالة من إنعدام الثقة في المسار السياسي المتبع من قبل النخبة السياسية.

تمثل الإنتخابات إحدى أهم وسائل الديمقراطية المعاصرة للإصلاح والتغيير السياسي عن طريق المشاركة في عمليات الإقتراع، إذ أن زيادة نسب المشاركة في الانتخابات من شأنه أن يساعد في عملية التغيير والإصلاح عبر إختيار الممثل الأصلح والأمثل من بين المرشحين وتغيير الوجوه التي سيطرت على مسار العملية السياسية دون إصلاح حقيقي ملموس لا العكس من ذلك.

ففي العراق بعد تعالي الأصوات في الاحتجاجات التي شهدها الواقع العراقي في تشرين الأول من العام 2019 للمطالبة بتغيير النظام السياسي وإصلاح شامل في جميع مفاصل الدولة ونبذ المحاصصة، وقيام انتخابات مبكرة؛ فلا بد من المشاركة الشاسعة من قبل جميع أبناء الشعب العراقي للمساهمة بالتغيير المنشود وإزاحة الطبقة السياسية الفاسدة، إذ شهدت الدورات الانتخابية السابقة عملية مقاطعة شاملة؛ ولا سيما إنتخابات 2018، إذ قدر نسبة المشاركة فيها بحسب تقارير محلية ودولية إلى 20%، فضلاً عن ما شابت هذه الإنتخابات من عمليات تلاعب وتزوير.

تعود هذه المقاطعة إلى جملة من الأسباب التي يمكن أجمالها على النحو الآتي:

1- غياب الثقة مابين الناخبين والنخب السياسية (الأحزاب والقوى السياسية) التي سيطرت على مفاصل الدولة.

2- عدم ثقة الناخب من جدوى التصويت على اعتبار أن النتائج محسومة من قبل مما يتسبب في ضياع أصواتهم.

3- عدم ثقة الناخبين بمفوضية الإنتخابات التي بنيت على أساس المحاصصة واتسامها بعدم الحيادية.

4- عدم ضمان نزاهة الإنتخابات.

5- قانون الإنتخابات غير العادل الذي وضع على أهواء الكتل الكبيرة المسيطرة على العملية السياسية.

6- الفساد السياسي المستشري في مفاصل الدولة.

7- إعادة ترشيح نفس الوجوه السابقة على الرغم من تورطهم أو اشتباه تورطهم بقضايا فساد وعدم إقصاءهم.

8- تهميش الفئات الشابة والمثقفة والأكاديمية وعدم تلبية مطالبهم.

كل هذه الأسباب ساهمت في زيادة نسبة العزوف الإنتخابي ومقاطعة الإنتخابات، وتتمثل الفئات المقاطعة للإنتخابات وفق رؤى سوسيولوجية؛ بفئتين هما: فئة المواطنين غير المسيسين الذين ليس لهم أي إهتمام بالسياسة ولا يهمهم المشاركة في الإنتخابات العامة للبلد، أما الفئة الأخرى فهي فئة المواطنين المهتمون بالشأن السياسي، والذين يتمتعون بثقافة سياسية عالية المستوى، إذ يرون من وجهة نظرهم بأن المقاطعة سلوك يعبر عن رفضهم للنظام القائم وعدم الثقة بالنخب السياسية المسيطرة على مفاصل الدولة، ويرون بأنه ربما يكون للمقاطعة أثر إيجابي من شأنه أن يدفع بالنخب السياسية إلى ضرورة التفكير بالإصلاح الواقعي، والعمل على إستعادة ثقة الجماهير، إلا أن الإنتخابات الأخيرة قد بينت عكس ذلك؛ إذ أنعكس تأثير العزوف الإنتخابي بالسلب على العملية الإنتخابية، إذ ساهم بفوز نفس النخب التي استمرت بسيطرتها على مفاصل الحكم ولسنين طويلة، مما ولد نوع من السخط الشعبي لنتائج الانتخابات والتي اعتبرت مرفوضة من قبل الشارع العراقي.

وعليه؛ فلا بد من الحد من هذه الظاهرة، ولاسيما في الوضع الحالي الذي يمر به البلد، والذي يحتاج إلى إصلاح حقيقي في جميع جوانبه السياسية والاقتصادية والمالية ولاسيما الجانب الاقتصادي منه، لذا فلا بد من حث المواطنين على المشاركة الواسعة عن طريق أتباع وسائل التثقيف الانتخابي من قبل النخب المثقفة في المجتمع والجهات المسؤولة عن التثقيف الإنتخابي كـ(الإعلام، المنظمات الحكومية وغير الحكومية، والجهات التطوعية المحايدة)، وضرورة التأكيد على:

1- بيان أهمية المشاركة في الإنتخابات لما لها من أهمية في إحداث تغيير شامل وإصلاح للنظام السياسي القائم عن طريق إختيار الأصلح.

2- حث الناخبين على تتبع التأريخ الشخصي للمرشح، وضمان نزاهته وعدم تورطه بقضايا فساد أو تلاعب.

3- تنبيه الناخبين على ضرورة الإطلاع على البرنامج الانتخابي للمرشح أو للحزب الذي يمثله المرشح، ولا يتوقف عند هذا الحد، وإنما يجب متابعة هذا البرنامج في حال فوز المرشح لبيان مصداقيته ونزاهته وجديته في خدمة أبناء بلده، وليس العكس من ذلك.

وعليه؛ فلابد من ابتداع طرق جديدة لكسب المواطنين للمشاركة في الإنتخابات وإعادة الثقة في النظام السياسي والحياة السياسية بشكل عام.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2021Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق