تعيش بعض الدول غبطة أحيانا، وحسد احيانا أخرى لما تتمتع به من موقع جغرافي مؤثر على المستوى الدولي، كأن تكون تقع على مفترق خط النقل والتجارة الدولية، بما يجعلها تتحكم بمصير تدفق السلع والبضائع الى بقية دول العالم، وتتخذ من القرارات ما يصب بمصلحتها أولا ومن ثم النظر الى مصلحة الآخرين ثانيا.

بينما بعض الدول يفرض عليها موقعها لأن تكون تابعة او متأثرة بقرارات وسياسات الدول الكبرى او العظمى ولا اختلاف بالمعنى بين الاثنين، حيث تقوم هذه الدول بأدوار كبيرة على المستوى الدولي، وتتحكم بمصير الشعوب والبلدان الأخرى، فنلاحظ من بين أكثر الدول تأثيرا على المجتمع الدولي هي الولايات المتحدة الامريكية صاحبة النفوذ والسطوة العالمية.

ولم تكن أمريكا وحدها تترأس القطب الدولي، بل يشاركها في ذلك الكثير من الدول فلا تزال روسيا تتحكم بمصير اغلب البلدان التي كانت تحت مظلة الاتحاد السوفيتي، بينما بريطانيا لم تتخل عن التدخل بشؤون مستعمراتها، وكذا الحال بالنسبة لفرنسا التي لم تترك الأراضي الخاضعة لهيمنتها دون تحديد المسارات السياسية وإعطاءها المخطط الدقيق للسير عليه، وأقرب شاهد على ذلك هو زيارة الرئيس ماكرون الى لبنان حين الإخفاق بتشكيل الحكومة لمرات عدة.

ولا نذهب بعيدا عن أحلام تركيا بإعادة تشكيل الإمبراطورية العثمانية التي بلغت ذروة مجدها وقوتها خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، فامتدت أراضيها لتشمل أنحاء واسعة من قارات العالم القديم الثلاثة: أوروبا وآسيا وأفريقيا، حيث خضعت لها كامل آسيا الصغرى وأجزاء كبيرة من جنوب شرق أوروبا، وغربي آسيا، وشمالي أفريقيا.

هذه القوة جعلت عدد كبير من الدول تصبح اشبه بالحدائق الخلفية للدول العظمى، ولا تؤدي أي أدوار على الساحة السياسية العالمية، سوى انها تقف كالمتفرج من بعيد على من يؤدون الادوار بإتقان على خشبة المسرح الدولي، ولم يترك لهم سوى الاعجاب والتصفيق تعبيرا عن الرضى وحالة الارتياح لما يقدم.

حول ذلك يقول المسرحي الألماني برتولد بريشت "ليست محظوظة البلدان التي تحتاج إلى أبطال"، والتاريخ يعلمنا، من بين دروس كثيرة، درساً خلاصته: سوء الحظ هو قدر البلدان التي تضعها الجغرافيا في موقع "الحدائق الخلفية" لبلدان الأدوار، والأسوأ هو أن يكون بلد في وقت واحد "حديقة خلفية" لجار قوي و"جبهة أمامية" في صراع جيوسياسي بين الأقوياء.

فعلى المستوى العربي تعد لبنان من أكثر البلدان سوءً، ففي السابق كانت سوريا تنظر اليها على انها الخلفية التابعة لها وقناتها المالية ونافذتها التي تطل عبرها على العالم، اما اليوم فقد تم استخدام جزء كبير من أراضيها لتوجيه الضربات الجوية لإسرائيل خدمة لمشروع احدى الدول التوسعي من خلال الولاءات الداخلية، والنتيجة هي حروب وعدم استقرار دائمين في لبنان التي صارت جبهة امامية في النزاعات الدولية.

وعند الحديث عن تغيير أدوار بعض الدول يأتي العراق في مقدمتها، فهو كغيره من البلدان التي تحولت من لاعب الى ساحة للعلب بين الكبار، وما يعشيه اليوم هو نتيجة لعدم القيام بدوره الحقيقي والمؤثر في المنطقة، وجعلت منه القوى الدولية ساحة حرب لتصفية الحسابات بين المتنازعين.

وحلت الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الأولى على مستوى المنطقة والتاسعة عالمياً ضمن قائمة «فيوتشر براند كانتري» لعام 2020 كأكثر الدول المؤثرة عالمياً.

واستندت «فيوتشر براند كانتري» في تصنيفها للدول إلى كيفية تصور الناس للبلدان في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك تقييمات من الأشخاص الذين يعيشون في كل بلد، من حيث الاستقرار السياسي، والتقدم الاقتصادي، والابتكار، كما وذكر التقرير أن الإمارات على وجه الخصوص تعد واحدة من أهم المراكز الاقتصادية في الشرق الأوسط والعالم.

وكما كانت فنلندا في السابق فهي اليوم محكومة بالوقوف على رأي موسكو في سياستها الخارجية، فضلا عن عدم مقدرتها اتخاذ قرار يخص سياستها الداخلية، فيما جعلت أمريكا كل من المكسيك وأميركا اللاتينية تمثل الظهير للولايات المتحدة حتى قبل "مبدأ مونرو" في النصف الأول من القرن التاسع عشر.

"مبدأ مونرو" بيان أعلنه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو في رسالة سلّمها للكونغرس الأمريكي في 2 ديسمبر 1823م. نادى بضمان استقلال كل دول نصف الكرة الغربي ضد التدخل الأوروبي بغرض اضطهادهم، أو التدخل في تقرير مصيرهم.

ولم ينجح الرئيس السابق للولايات المتحدة دونالد ترامب من إيهام الجماهير الدولية والشعب الأمريكي بان بناء الجدار الفاصل مع المكسيك هو نهاية "مبدأ مونرو"، بعد ذلك اتى دور العراق في العام 2003 حين شرعت قوات التحالف الدولي بتغيير نظام الحكم وحولته(العراق)، الى قاعدة أساسية من قواعد تغيير ملامح الشرق الأوسط.

لمن يراقب جيدا يرى ان بلدان الأدوار الكبرى لم تحافظ على نفوذها وسيطرتها على مستعمراتها كما في السابق، فقد انحسر البعض بشكل كبير، بينما تنامى دور دول أخرى وأصبحت تؤدي نفس الوظيفة التي أدتها من قبلها الدول العظمى، ففي السابق لم يكن دور يذكر للمملكة العربية السعودية على المستوى العربي، اما في الوقت الحالي فهي مُتحكم بدرجة كبيرة بالأوضاع السياسية في المنطقة.

وجميع الدول تؤدي أدوارا مختلفة كل حسب مكانته وتأثيره بالخارطة الدولية، اذ يمكن ان تكون هذه الأدوار أقرب ما يكون لما يقوم به افراد العائلة الواحدة، وبالتالي يبقى القرار الأهم والأخير للأب الذي يرى من الاصلح اتخاذ الخطوة القادمة.

وتبقى لعبة الأدوار هي الأكثر خطرا على مصير الشعوب، فلا يوجد خاسر دون ربح، ولا رابح دون خسارة، لكن بلدان الأدوار المحدودة هي الأكثر تضررا إذا لم تحسن التصرف وتدرك جيدا الخطر الذي سيحدق بها مستقبلا، فمن لا يُجيد اللعب مع الكبار عليه ان يعرف إمكاناته ويأخذ الزاوية التي تناسب قوته ومدى تأثيره تجنبا لدفع فواتير الحساب المنهكة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1