هل يدفع الطغاة قواعدهم الشعبية الى تأليههم؟ او ان يفرضون على مؤيديهم هذا الولاء الجنوني؟ ماذا يحصل لو ان الشعوب تحاسب قادتها ولا تقدسهم بالطريقة التي تصنع منهم قتلة ومستبدين؟، هل صنع فرعون من نفسه طاغوتاً؟، ام ان الحجاج تمكن من قتل الاف الناس في العراق بيده دون تدخل المتملقين الراغبين بالسلطة او برضا الحاكم عليهم على اقل تقدير؟ وبأي سلاح ووسيلة وصل صدام لهذا المستوى من الجبروت والسطوة والفساد؟، هل اصبح هؤلاء على سبيل المثال بما وصلوا اليه من استعلاء وسفك للدماء وتشريد وقتل وكل الجرائم التي نفذوها بالشعوب محض صدفة؟ ولماذا تحدوا كل القوانين والاعراف السماوية والوضعية ولم يكترثوا الى نتائج بطشهم بقدر ما يهمهم بسط نفوذهم والتباهي بقوة اذرعهم التي صنعناها نحن؟!!... نعم نحن.

صار لازماً ان نعترف اننا شعوب نصنع طغاتنا في ظروف اجتماعية ونفسية خاصة وضعناها ببواعث الخوف والتوجس وغياب الرفض فينا، فالطغاة يصنعون لا يولدون، ولا ينمون الا في بيئة التخلف والجهل وقلة الوعي والركون الى زعيم يجعلون منه مستبداً له كل الحقوق وليس عليه اية واجبات، ففي ابجديات التنمية الثراء حاصله ثراء والتخلف حاصله قبول بالطغيان والظلم، وهذه هي البيئة التي تحتضن الطغاة وتمدهم بمقومات الحكم غير الرشيد.

شعوبنا تصنع الطغاة بمداد الخوف والخنوع الذي يسيطر علينا وبالشكوك التي تحتل عقولنا، وبالكسل الذي يشل اطرافنا والسنتنا عن قول الضد والاعتراض على المنهج او السلوك، والا لماذا لم نرى شعوب انكلترا او سويسرا او هولندا او الدنمارك او غيرهم من دول العالم المتقدم تسمح بظهور طغاة يقبضون عليهم بالنار والحديد؟، الجواب ببساطة ان تقدم مستويات الوعي الذي يصاحب مظاهر الوعي الاخرى هي من اغلقت الطريق من احتمالية تسلل الطغاة إلى سدة الحكم.

تتصف المجتمعات الشرقية بصورة عامة بأنه بيئة قابلة ومشجعة لنمو الطغيان الذي ينتج من تركيبة نفسية ثقافية او حتى تأريخيه فهو لا يأتي من فراغ عدمي مطلقاً.

فلو التمسنا الاعذار للمنتفعين في الدفاع عن الطغاة والترويج لأفكاره والتلميع لصورته لكن المؤلم هو دفاع المسحوقين عنه وهم اكثر الناس تضرراً بوجوده لكن انتمائهم الى نفس هالته عرقياً او دينياً هو ما يدفعهم للدفاع عنه بعنجهية وعناد.

وابرز ما يميز الشخصية الطاغية انها شخصية سيكوباثية في الاغلب عاشت الحرمان والفقر في مراحل حياتهم الاولى ولد في ذواتهم عقدة النقص وﺍﻷﻧﺎ وﺍﻟﻨﺮﺟﺴﻴﺔ والعدوانية و(المازوخية) ضد شعبوهم ومجتمعاتهم، وهم دائمي التبرير لفشلهم في خدمة من يحكمون، ويعيشون انواع اللذات مقابل عوز رعيتهم وضعف حالهم، وولائهم لذاته اكبر من ولائهم لوطنهم.

الاسباب التي توصّل القادة الى طغاة متمنعيين متنوعة بتنوع دواعيها، اولى هذه الاسباب هو الموقف الاستسلامي للجماهير عامة وحتى المثقفين النخبويين تجاه حالات الاستبداد والطغيان التي تشرعن وجوده كما يحدث في العراق على سبيل المثال، وهو ما يحدث نتيجة حتمية الى اصابة الحاكم بجنون العظمة وهوس السلطة عبر حدوث تشوهات فكرية او خلل في فهم القيم وتطبيقها، هذه الجزئية المخلة في السلوك لا تنحصر بسلوك ابناء الشرق فقط فالطغيان كفكرة موجودة لدى قادة الغرب لكن ما يقوضها هو قيام الثورات الشعبية ضدهم حتى في حال حققوا انتصارات تعد فقيرة وبسيطة في نظر شعوبهم.

يعاكسهم الشرقيون باعتقادهم ان الحاكم منزه وذو حكمة وشأن وان لم يكن كذلك لما تم اختياره لهذا المنصب او المسؤولية وهو ما يفسر استماتتهم بالتبرير عنه حتى بعد وفاته، والمصداق ما يفعله المقتنعين بمنهجية وفكر صدام حسين حين يطلقون عليه القاب القائد الفذ وقائد الضرورة والاب الروحي متناسين كل حماقاته التي ارتكبها بحق ابناء شعبه من ملئ بطون الارض من الشباب والكهول لاعتراضهم على جزئيات بسيطة مضحكة ادت بهم الى هذا الموت البشع ووصولاً الى الاعدامات بأنواعها وليس اخرها النفي او منعهم من الدراسة في الجامعات العراقية، او حتى منعهم من ممارسة حقهم بالوظائف الحكومية بداعي الانتماء الى مكون معين او توجه سياسي او ديني معين.

ويمثل سلوك التعامل بالنسبة للقيادات الثانوية سبب من اسباب صناعة الطغاة عبر التغاضي والمحايدة في عملية صنع القرار عند تجاوز القيادات العليا على اداورهم الطبيعية الممنوحة لهم وفق المحددات الطبيعية، وهنا يؤدي الحاكم الاعلى الدور الرئيس مانحاً نفسه المبررات التي هي افرازات نفسه المريضة المتعالية، مما يحدو بالقيادات الوسطية او الثانوية الى المهادنة بدافع الاستمرار في المناصب او الترقية لمناصب اعلى.

الحلول تكمن في ابدال الخوف شجاعة واحلال المعرفة التي تحمينا شر جهلنا ورفض الذل بأنواعه والوقوف بوجوه من يستغلون نفوذهم واستهتارهم بالسلطة التي اكتسبوها ربما بطريقة غير شرعية اساساً، ومن هنا يشرع التغير الشامل المتكامل في القاعدة ولو بعد حين لان عملية التغير معقدة وتحتاج جهد ووقت، ان الوقوف ضد الطغيان نشاط بشري يمكننا وصفه بالشجاع والحكيم والواعي، وعملية تعويد الشعوب على مناهضة الحاكمون يكون بجرعات مستمرة وفعالة وشاملة فبقدر ما يكون هذا التغيير شاملاً يكون حقيقياً وفعالاً، فمسؤوليتنا ان نقوم بهذا الدور والا فمصيرنا الذي نعانيه بوجود من يتحكم بمقدرتنا هو استحقاقنا.

المجتمعات التي تعودت الاستبداد والقهر وتعايشت معه سنون طوال هي من اذكت صور الانتقام والوصولية والانتهازية وصنعت من حكامنا طغاة مستبدين يتركون اثار سلبية على من يحكمون لدهور ودهور، فأن اسقاط طاغية ممكن لكن محي اثاره اصعب من اسقاطه ذاته.

اضف تعليق