تحمست كثيرا بدعم التظاهرات الشعبية الاحتجاجية التي خرجت في شهر تشرين الاول من عام ٢٠١٩، بل كتبت عن التظاهرات الحضارية قبل ذلك معتبرا ان التظاهر الحضاري أحد وسائل التعبير والتغيير التي يمكن اللجوء اليها من اجل اصلاح الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد، بل اعادة بناء وهيكلة الدولة العراقية...

تحمست كثيرا بدعم التظاهرات الشعبية الاحتجاجية التي خرجت في شهر تشرين الاول من عام ٢٠١٩. بل كتبت عن "التظاهرات الحضارية" قبل ذلك معتبرا ان التظاهر الحضاري احد وسائل التعبير والتغيير التي يمكن اللجوء اليها من اجل اصلاح الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد، بل اعادة بناء وهيكلة الدولة العراقية الراهنة ذات المئة عام من العمر.

بل كنت ادعو الى الاصلاح منذ شخّصت الانحراف السياسي بتشكيل مجلس الحكم في عام ٢٠٠٣ وكتبت عن ذلك في مجلة "المستقبل" التي كانت تصدر في ذلك الحين، ثم في صحيفة "الصباح" ولاحقا في مجلة "الاسبوعية" التي كنت رئيس تحريرها، وفي العديد من المنشورات في مختلف المواقع المتيسرة. وكان تقييمي ان الطبقة السياسية التي تولت زمام الامور بعد سقوط النظام الدكتاتوري المتخلف ارتكبت العديد من "عيوب التأسيس" التي رافقها الكثير من "اخطاء الممارسة"، بما في ذلك العيوب والثغرات الموجودة في الدستور الذي لم اصوّت لصالحه.

وحينما تبلورت في ذهني فكرة الدولة الحضارية الحديثة بعد عام ٢٠١٦ ادركت ان الطبقة السياسية الحالية لا تملك مؤهلات اقامة هذا النموذج في العراق، فوضعت املي في تحرك ما سميته من قبل "المواطن الفعّال" الذي سوف يؤمن بهذا النموذج ويتحرك من اجله.

وحينما نزل الناس الى الشارع في عام ٢٠١٩ اعتبرت ذلك تصديقا لفكرة المواطن الفعال، الذي يقرر ان يأخذ زمام التغيير والمبادرة بيده ويتحمل مسؤوليته. وتولدت عندي قناعة، عززها موقف المرجعية الدينية، ان التظاهرات سوف تتمكن من تحريك عجلة الاصلاح والتغيير الى الامام صوب نموذج الدولة الحضارية الحديثة. واستثمرت الجو العام في اعادة طرح فكرة الانتخاب الفردي والدعوة اليه، وشرحتُ ذلك في العديد من المقالات. وقد فعلت ذلك لايماني بان الانتخاب الفردي قد يكون اداة نافعة في تفكيك الاقطاعيات السياسية من جهة اولى، وتكريس الديمقراطية، وهي احدى ركائز الدولة الحضارية الحديثة، من جهة ثانية.

لكن مجريات التظاهرات اللاحقة، ودخول اطراف محلية واقليمية ودولية على خطها، وطرح بعض المتظاهرين شعارات سياسية لم اعتقد بصوابيتها وصحتها، قلل من درجة رهاناتي عليها في تحقيق التغيير. وحينما استقال رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي لم اعتبر ذلك انتصارا للمتظاهرين، بل اعتبرته خطوة في المجهول، لان مقومات التغيير الاخرى لم تكن متوفرة. وحينما تم تكليف مصطفى الكاظمي بالطريقة الملتبسة المعروفة، رجوت ان يكون ذلك خطوة قد تدفع الحركة باتجاه الدولة الحضارية الحديثة. وكتبت في حينها ان التاريخ قد يكتب ان نهاية الدولة العراقية الراهنة، او انفتاح الباب امام اصلاحها، قد يتم على يد ثنائي برهم صالح-مصطفى الكاظمي. وقد بينت ذلك في مقالات منشورة ومراسلات مع مصطفى الكاظمي.

لكن الاجراءات اللاحقة التي اتخذتها الحكومة، بما في ذلك برنامجها المعلن، اسقط هذا الرجاء ايضا، حيث اتضح لي ان الفريق الجديد لا يقل قصورا عن الطبقة السياسية التي جاءت به في فيما يتعلق بتحريك المجتمع واستثمار قدرات الدولة باتجاه الدولة الحضارية الحديثة. لفت نظري ان ملحقات قانون الموازنة الاتحادية تضمن فقرة تخص وزارة التربية لا بأس بها من زاوية العمل على اقامة الدولة الحضارية الحديثة، لكني لا استطيع ان اقع في وهم ان الحكومة الحالية في وارد زج وزارة التربية ومدارسها في مشروع الدولة الحضارية الحديثة، لان الفكرة غير حاضرة اصلا في تفكير الحكومة وفي المجموعة التي تسيّرها من وراء الكواليس.

بناء على هذا، وجدت ان من الاولى اعادة الكرة الى ملعب المواطن الفعال ليتحرك بما هو ضروري في طريق الدولة الحضارية الحديثة.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق