الأصل في الفقه أو مصادر الفقه والحكم الشرعي كما يرى فقهاء الاسلام كافة هو النص الأول والثاني وهما الكتاب والسنة وأما الاجماع والعقل اللذين أضافهما الأصوليون من الفقهاء في قبالة المحدثين والاخباريين فان ميدانهما حصرا هو الكتاب والسنة، وبالنتيجة لا يخرج الفقهاء الاصوليون –المجتهدون عن ما جاء في الكتاب والسنة وفق معطيات الصحة في علوم القرآن والموثوقية بالرواية– السنة سندا ومتنا.

وفي التكفير المتبادل بين المسلمين فانه لا ينتهي في مصادره الى الكتاب والسنة وانما ينتهي الى أقوال علماء وفقهاء وبلا دليل مباشر من الكتاب والسنة، أي ليس من التنزيل الذي هو كلام الهي محض، وانما التكفير يجيء عن طريق التأويل، والتأويل هو كلام بشري وليس كلام الهي، وغالبا ما يصدر عن متكلمي مذاهب الاسلام وليس فقهاءهم.

ولعل صاحب القول بالتكفير فقيه نعم ولكنه لا يستند الى أصول الفقه في الكتاب والسنة الصحيحة في تكفيره لفرق الاسلام الأخرى وانما يستند الى أصول الكلام واستدلالات التأويل البشري.

وأشهر كتب التكفير هي كتب الملل والنحل وكتب المقالات ما خلا كتاب مقالات الاسلاميين لأبي الحسن الأشعري تـ 330هـ الذي يروي ويذكر مقالات أهل الاسلام بموضوعية وبلا تكفير لهم من جانبه، وثاني أشهر كتب التكفير هو كتاب السنة لأبي عبد الله بن أحمد بن حنبل تـ 290هـ وهو كتاب ينسبه لأبيه المحدث أحمد بن حنبل امام الحنابلة والتيمية والوهابية، لكنه لا ينتهي في تأصيل تكفير الجهمية والقدرية في النص على كفرهم في الكتاب – القرآن أو السنة بل حتى لا ينسب تكفيرهم الى الصحابة الا ما ندر جدا، وانما ينتهي الى تأصيل كفرهم بأقوال علماء ومحدثين متأخرين عن عصر الوحي وكذلك القول بتكفير الرافضة في مواضع أخرى، ولأن قوله خارج الكتاب والسنة والاستدلال بنصهما مباشرة أو خارج حقل التنزيل فهو يخرج بهذا عن مدارات الفتوى والحكم الشرعي بل والفقه كله وان شاء أن يجعلها حكما أو فتوى، لاسيما وأن استدلالات هؤلاء العلماء والمتكلمين المتأخرين عن عصر الوحي داخل في حقل التأويل بما هو كلام بشري وليس تنزيل الهي.

ويتساوى بهذا كل علماء التكفير في الاسلام وعلى مختلف مذاهبهم طبعا، وليس كل فقهاء أو علماء المسلمين ينهجون هذا النهج في تكفير أهل الاسلام بل الغالب عليهم هو القول بعدم تكفير أهل القبلة ومن أدى الشهادتين نطقا وقولا.

ولابد من التنويه البحثي بأن ظاهرة التكفير بدت فاعلة ومؤثرة في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري على اثر ظهور القول بخلق القرآن وهو قول المعتزلة، واستمرت ظاهرة التكفير واتسعت واستقوت في ظل دول الامارات الاسلامية التي ظهرت بعد انقضاء عصر الدولة الاسلامية وأخذت هذه الامارات تتبنى مذاهب اسلامية محددة وبشكل رسمي، وكان الغالب على هذه الامارات هي العجمة تركية أو فارسية وهي ظاهرة تاريخية وتوثيقية تؤشر اقتران ظاهرة التكفير بالسياسة والسلطة وذلك حين تنخرط المذاهب الدينية بالسياسة والسلطة.

وقد تورط المعتزلة بهذا الانحراف حين وصلوا الى السلطة في عصر الخليفتين العباسيين المأمون والواثق وقالوا بكفر من لم يقول بخلق القرآن وبذلك تخلّوا عن المبدأ الذي قام عليه مذهبهم وهو مبدأ العقل، وهو مؤشر يؤسف له في تاريخ المعتزلة ولكنه ثمن انخراط الدين والعلم بالسياسة وتجاوز أصول ومصادر العلم والفقه الاسلامي في القرآن والسنة الصحيحة.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3