ليسَ‮ ‬عاماً‮ ‬فقط مرّ‮ ‬على رغبةِ‮ ‬العراقيين في‮ ‬أن‮ ‬يكونَ‮ ‬لهم وطنٌ‮ طبيعي‮ ‬مستقلٌ‮ ‬يحظونَ‮ ‬فيه بكرامتِهم،‮ ‬ويتمتعونَ‮ ‬بثرواتِه في‮ ‬ظلّ‮ ‬سيادة القانون ومبدأ المواطنة الذي‮ ‬يعلو على الهويات الفرعية جميعها،‮ ‬فالعراقُ‮ ‬من تأسيسه حتى اليوم كانَ‮ ‬ضحيةَ‮ ‬أمواجٍ‮ ‬متقاطعةٍ‮ ‬من السياساتِ‮ ‬والحروبِ‮ ‬والتدخلِ‮ ‬الخارجي‮ ‬وتهميش الكفاءات الثقافية والسياسية والفكرية التي‮ ‬يزخر بها شعبه.

وظل هذا المطلب الجماهيري‮ ‬بين فئتين،‮ ‬فئة ساكتة أمام توحش الأنظمة،‮ ‬وفئةٍ‮ ‬تنادي‮ ‬بصوتٍ‮ ‬عال فتدفع الثمنَ‮ ‬من حياة الأحرار المدافعين عن بلادهم،‮ ‬العراق الذي‮ ‬شهد اعلى مراتب القسوة ضد معارضي‮ ‬انظمته الجائرة‮‬،‮ ‬قوافل من الشهداء والحركات‮ ‬الوطنية المقموعة التي‮ ‬تتعرض للتشويه والإبادة‮.‬

اذاً‮ ‬ليس عاما واحداً‮ ‬مرّ على‮ (‬نريد وطن‮) ‬الشعار الذي‮ ‬حلمَ‮ ‬به العراقيون طويلاً،‮ ‬لكن عنوان المقال الخاص هذا،‮ ‬يتصل باسطورة ثوار تشرين الشباب الأبطال‮‬،‮ ‬الذين‮ ‬قالوا‮ (‬لا‮) ‬وتصدوا ببسالة مذهله نيابةً‮ ‬عن جميع من سكنَ‮ ‬هذه الأرض المعطاء وظُلِمْ، ورفعوا شعاراً‮ ‬استفزازيا للعملاء والحرامية وتجار الدم وعبيد العقائد المتوترة الزاحفين بذريعتها لخدمة أجندات خارجية تتدخل في‮ ‬شؤون البلاد والعباد، وتوجّه بوصلتها حيثما شاءت، فبعدَ‮ ‬ثمانيةَ‮ ‬عشر عاماً‮ ‬من الفشل السياسي‮ ‬والفساد وغياب الأمن وضياع المستقبل الجماعي‮ ‬لشباب العراق،‮ ‬خرجوا في‮ ‬الأول من تشرين وفي‮ ‬الخامس والعشرين منه العام الماضي، ليسطّروا ملحمة الرفض الشامل للشخصيات والآليات التي‮ ‬حكمتْ‮ ‬هذا البلد، شبانٌ‮ ‬شاركوا في‮ ‬دحر الارهاب وقدموا اخوانهم وآباءهم شهداء على مذبح الحرية والاستقلال‮.‬

فاستُغلّتْ‮ ‬دماؤهم لدى جماعات مشبوهة قفزت الى الحياة السياسية بطرق ملتوية، وأخذت تتحكّم بالقرار الوطني‮ ‬وتَرهنُه بيد مراكز نفوذ خارجية، هؤلاء اجتمع فيهم‮ ‬يأسُ‮ ‬المواطن وأملُ‮ ‬الثائر، لينقلبوا على ذوي‮ ‬القربى من الحكام الفاسدين،‮ ‬فوُجِهوا باشد ما يوصف من القسوة، قتل مباشر واغتيال رخيص جبان واعتقال واغتصاب وتشويه وشيطنة‮،‮ ‬قاوموا الاسلحةَ‮ ‬الكاتمة بصدورهم، في‮ ‬غياب أي‮ ‬فعل محترم للدولة، وقف معهم اهل العراق جميعا بالدعم والمساعدة والدعاء في‮ ‬اضعف الايمان، ثورة للمرة الاولى تتشكل من جميع أطياف العراق ليس الاثنية والدينية بل الثقافية والفنية والفكرية والجماهيرية العاطفية العامة،‮ ‬ولذلك بقيت انتفاضة تشرين خالده ولم تنته رغم مامر بالعراق من ظروف صحية مفزعة ووضع سياسي‮ ‬مضطرب،‮ ‬خالدة من خلال المعاني‮ ‬التي‮ ‬أرستها‮‬،‮ ‬ففي‮ ‬الوقت الذي‮ ‬سُعِد الفاسدون والمجرمون فيه لأن الاحتياطات التي‮ ‬فرضتها جائحة كورونا خففت من التجمع الشعبي‮ ‬المكثف.‮

‬بقيَ‮ ‬فعل الانتفاضة‮ ‬فاعلا،‮ ‬وأخذ السياسيون‮ ‬يبحثون عن منفذ للاحتواء‮ ‬غير المجدي، أو الالتفاف الخائب على القيم التي‮ ‬كرّستها انتفاضة تشرين، واهمها انها أعلنت وأثبتت ان الطائفية والفئوية والكراهية والتحريض الذي‮ ‬كان وسيلةً‮ ‬لاسكاتِ‮ ‬الناس على الخطأ قد انكشفْ‮.

‬وأنّ‮ ما يحدث هو معارضةٌ‮ ‬نوعية ضد المجرمين والدول التي‮ ‬تقف معهم،‮ ‬جميع الدول الملطخة بدماء وثروات العراق دون استثناء،‮ ‬كما قدّمت صورة للمرأة العراقية‮ ‬الكريمة الحديثة الحرة التي‮ ‬عملت طبيبة ومسعفة وثائرة،‮ ‬وأنّ‮ ‬القيم التي‮ ‬يحملها الشباب من الثورات والثقافة الدينية هي‮ ‬القيم الجوهرية ومنها قيم ثورة الامام الحسين ضد الظلم من أجل الحرية،‮ ‬وليس خطاب المخرّفين الذين‮ ‬يريدون اهانة الانسان الذي‮ ‬أمرت وصايا الديانات كافةً‮ ‬باحترامه واعلاءِ‮ ‬شأنه‮.‬

درسُ‮ ‬تشرين كان قوياً‮ ‬الى درجة أن السياسةَ‮ ‬العراقية صغرت أمامه، وان الحكومة العراقية المستقيلة والبديلة والكتل السياسية مختلفة فيما بينها،‮ ‬فهذا‮ ‬يكرم المتظاهرين وشهداءهم،‮ ‬وهذا‮ ‬يهين المتظاهرين ويقلل من شان ضحاياهم،‮ ‬لا توجد دولة واحدة ولاقرار وطني‮ ‬ولا رؤية‮ ‬ولاقوة محددة‮ ‬ولاقانون،‮ ‬وهذا بالضبط ماسببّه احراج ثوار تشرين وشهدائهم لهذه المجاميع السياسية‮ ‬غير المحترفة الراجفة الغبية التي‮ ‬تحكم العراق وتتحكم بمصيرة‮.‬

لهذا فان‮ (‬نريد وطن‮) ‬خلال هذا العام‮ ‬يختلف عن كل الآمال الباطنية والرغبات المستترة لأجيال العراق السابقة،‮ ‬رفعها ثوار تشرين ولن تنال من عليائها حتى‮ ‬يستعيد شعب العراق وطنه فعلا‮ ‬،‮ ‬الاستقلال والعدالة والتقدم والكرامة الانسانية التي‮ ‬تعني‮ ‬منظومة طويلة من الواجبات والحقوق والعهد القانوني‮ ‬والاخلاقي‮ ‬بين المواطن والدولة‮ .‬

‮ ‬هذه هي‮ ‬ببساطة الاسس التي‮ ‬انتجتها ورسختها تظاهرات تشرين‮،‮ ‬وجعلتها فاعلة في‮ ‬اي‮ ‬قرار رسمي‮‬،‮ ‬سواء بقي‮ ‬المتظاهرون في‮ ‬الساحات أم أجبرتهم الظروف الصحية على احترامها ومغادرتها،‮ ‬فتشرينُ‮ ‬حربٌ‮ ‬ثقافية وفكرية وشعبية بين دولة فاشلة،‮ ‬ولا دولة مجرمة،‮ ‬وبين شباب لن‮ ‬يرضى بغير الوطن،‮ ‬الوطن كاملا،‮ ‬مطلبا حتمياَ‮ ‬نهائياً‮ ‬له دون مساومة.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

9