تقشف وحرمان حالتان يلازمان الفرد العراقي منذ الولادة في اغلب الأحيان، مع وجود استثناءات قليلة لبعض الأفراد الذين ولدوا في أسر ميسورة الحال وتتمتع بمستوى دخل مقبول مكنها من العيش بسهولة دون الخضوع لذل العوز.

حالة الفقر بلغت ذروتها في تسعينيات القرن المنصرم إبان حكم النظام البائد، الذي اعتمد سياسة، جوع تسد، فأصبح الشعب منشغلا طوال اليوم يفكر بتوفير مستلزمات الحياة المتعددة، في الوقت الذي لا توجد فيه فرص عمل مثلما كان في السابق، مما مهد للفقر ان يُكشر عن انيابه ويغرس مخالبه في منظومة المجتمع العراقي.

ولم يتمكن احد الخلاص من سطوة العدو الجائر على البشرية بصورة عامة، استمر الحال كما هو عليه لحين دخول التحالف إلى العراق لإسقاط نظام الحكم القائم فيه، وهنا بقيت أبواب البلاد مفتوحة على الدول الأخرى واتقدت ذائقة الفرد الذي اصبح مهووسا في شراء السلع والخدمات التي حرم منها لعقود من الزمن.

آنذاك كانت أسعار النفط مرتفعة جدا مقارنة بسعرها الحالي، وعدد الموظفين منخفض نسبيا، ما دفع بالحكومة الآنفة إلى زيادة رواتب الموظفين وشريحة المتقاعدين الذين اتسعت رقعتهم بسبب حل بعض الوزارت الفعالة بزمن النظام السابق، كوزارتي الدفاع والثقافة والإعلام.

زيادة نسبة الرواتب في زمن وزير المالية باقر جبر صولاغ لم يؤثر كثيرا على الميزانية الاتحادية؛ ذلك بسبب ارتفاع سعر النفط بالشكل الذي يغطي الإنفاق الحكومي ويزيد عليه بأضعاف مضاعفة، مما ادى إلى الإقبال على شراء السلع والاحتياجات بشكل لافت للنظر.

وهذا الإقبال جعل من العراق سوق رائجة للسلع المستوردة من دول الجوار وغيرها من المناشئ العالمية، حتى اصبح المرتب الشهري الذي يتقاضاه الفرد العراقي اشبه بالوديعة لديه، ولم يتأخر طويلا حتى يذهب إلى مكانه المخصص، وهو الإنفاق على الاحتياجات اليومية وغيرها من الأشياء المنزلية الضرورية.

تعاقبت السنين وتنشطت هجرة رؤوس الأموال الداخلية من اجل جلب المزيد من المواد الاستهلاكية، دون الالتفات اليها من قبل المعنيين في الجهات الحكومية، فالجميع منشغل بحفلة النهب ووليمة تقاسم الحصص من المال العام المسيطر عليه من قبل الأحزاب المتنفذة.

هذا الوضع افرز ميزانية تشغيلية ضخمة على حساب عدم الاهتمام بالقطاع الصناعي والإنتاجي، وبالتالي نتجت جيوش من العاطلين الباحثين عن فرصة عمل تنقذهم من حالتهم المأساوية التي ألمت بهم نتيجة تخبط السياسات الموضوعة لإدارة الملف السياسي والمالي في البلاد، بحكم وصول جهات غير قادرة على تولي الشأن بحكمة وتفكر.

انخفاض معدل أسعار النفط اثر وبشكل كبير على اداء الحكومات الأخيرة لاسيما حكومة السيد مصطفى الكاظمي الذي وضع أسس حكومته على انقاض الحكومات السابقة، فهو وفريقه الحكومي لا يزالون غير متمكنين من وضع الحلول الناجعة للخروج من الحرج المادي الذي يمر به البلد.

فأصبح الاحراج الشعبي من اهم الظواهر التي نمت في زمن حكومة الكاظمي، وليس من الوارد ان يتأخر المرتب الشهري للموظفين مدة خمسة واربعين يوما دون أمل يلوح في الأفق سوى تقديم بعض الوعود من قبل الجهات المالية في الحكومة، لكنها تبقى كسراب يحسبه الضمئان ماءً.

جزء من الحل لما يمر به البلد قدمت الحكومة الحالية ورقة إصلاح اقتصادية أطلقت عليها(الورقة البيضاء)، ووضعتها بيد اللجنة المالية في البرلمان، الورقة في القراءة الأولى لها تحمل بين طياتها العديد من السلبيات ولا يمكن تطبيقها على ارض الواقع.

فمن الصعوبة تخفيض نسبة رواتب الموظفين إلى نسبة25‎% كون هذا التخفيض سيضعف القوة الشرائية في السوق المحلية وبالتالي يولد ركود اقتصادي إلى حد ما، فلا يمكن ان يكون ذلك حلا ناجعا في ظل الظروف التي يمر بها الشارع العراقي.

أضف إلى ذلك ان مضمون الورقة يتناقض مع ما طالبت به حكومة الكاظمي وهو إيجاد اصلاحات سريعة للازمة الاقتصادية وتأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين، اذ تحتاج لتطبيق بنودها لسقف زمني يمتد من (3 إلى 5) سنوات.

الخلاصة ان الشعب العراقي يبحث وينتظر من الساسة الوصول إلى انسب الحلول بوقت قياسي، ويبقى يترقب مصير الورقة البيضاء إذا كانت فعلا ناصعة تخلصه من أزمته الحالية، أم انها مجرد خطوة دعائية أو لكسب الوقت والهروب من المواجهة الحقيقة مع المشاكل المتراكمة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

14