ليْست الحياةُ الديمقراطيةُ والتنمية البشرية والنعيم والتقدمُ والصناعاتُ والتكافلُ الإجتماعي وسلطة القانون والاستقلال والحريات الشخصية في الدول الأخرى من صنع الحكومات، فالحكوماتُ تذهب وتجيء، والأشخاص الذين يتسلمونَ المناصبَ في هذه الدول ليسوا من شريحة واحدة أو ثقافة واحدة، ففيهم العسكري الذي خاض حروباُ وفيهم التاجر الذي تخرج من مغالبات البورصة وأخلاق السوق وصالات القمار وفيهم المفكر والمتعلم الذي جاء أجدادة من دول أخرى، منهم الأسود والابيض والفقير والثري، هؤلاء ليسوا السبب المباشر في رفاه الشعوب ولم يضعوا أسس الدولة.

السبب الرئيس هو الأسس التي انتجها المجتمع ومفكروه ونخبُه بثوراته التحررية وضغوطه وبرامجه الاقتصادية والإفادة من تجارب ونكسات الحروب والمجاعات واستثمار الثروات، وتنظيم تاثير الأديلوجيات الدينية والعلمانية كي لاتبتلع الحياة بشعارات فوقية مثالية لاتعنى بتفاصيل حياة الناس ومعيشتهم وتنمية قدراتهم ومستقبل بلادهم.

ولذلك يختلف المسؤولون الإعتياديون الذين هم انفسهم يعانون كثيرا خلال ولاياتهم من الرقابة الصارمة على الأداء وردع الانحراف ومتابعة مؤسسات حفظ المال العام وضبط العدالة والسياسات المتوازنة للبلاد عن القادة التاريخيين المؤسسين، المؤسسون يأتون الى دول منهارة ويعملون مع شعبها على نهوضها، في كل الأحوال المجتمع الذي لايتساهل ولايتنازل ولا ينجرف الى الإحتراب الداخلي وصراع الهويات القاتلة هو المسؤول الأول عن انتاج بلاد تامة.

لذلك لايمكن لأي شعب أن يعوِّلَ على دولة أخرى لرعايته أو تنميته لوجه الله تعالى، حتى الدول التي انشأها المنتصرون في الحروب ورسَموا خرائطها وفرضوها ككيانات مستقلة بالقوة ودعموها وأنشاوا لها انظمة متطورة مثل كوريا الجنوبية والمانيا الغربية واسرائيل، فانما كانوا ينشئون نماذج كيدية بدول أخرى، فلا انتداب ولا احتلال يمكن أنْ يبني ويعمّر وينتجَ قوانين متقدمة لبلد لايستطيع مجتمعُه انتاج ذلك.

بل إن هذا الوهم قاد الكثير من الزعماء لأن يرتكبوا أخطاءً تاريخية، وكم سمعنا من أيام صلح السادات واخراج مصر من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي حين صوّر الإنفتاح بأنّه المفتاحُ السحري لتنمية مصر وحل مشاكلها واستقرارها كدولةٍ عظمى في العالم، وفي العراق حين صور الذين عملوا مع الأمريكان بأنه السرّ الذي سيجعل العراق بلداً نموذجياً في السياسة والاقتصاد وسلطة القانون والتنمية البشرية في المنطقة.

لاشيء من ذلك يحدث إذا لم يتحمل المجتمع أعباء تطهير ذاته من الأدران كيفما كانت، ديمقرطية الدول الغربية في حدودها، متميزة لشعوبها، وإنسانُها الفرد مركز الإحترام والعناية الحكومية، لكنّ جيوشها ترتكبُ المجازر خارج حدودها وتنتهك أبسط حقوق الإنسان في الحياة والرأي، وعليه لن يصنع رئيس وزراء بريطانيا أو فرنسا أو المانيا المعجزات اذا شكل حكومة في العراق أو لبنان أو ليبيا أو اليمن أو أي دولة عِلتُها في مكوناتها وغيابِ روح المواطنة والعمل المشترك.

لكن الأسف كلّ الأسف أن تصل أوضاع المواطن العربي وانعدام فرصِهِ في الحياة للهروب من ظلم وقسوة وفساد ذوي القربى الى رحمة الغرباء، وهو هروبٌ انفعالي ومراهنة خاسرة في حقيقتها، لأن هذه الدول لن تحل لك معضلة دون ثمن لايمكنك التكهن بحجمه وطبيعته وقساوته، فلاحلّ في لبنان الا على أيدي اللبنانيين ولاحل للعراق الا على أيدي العراقيين، وكذلك الأمر في أية دولة عليلةٍ بأمراضٍ متداخلهْ، الأمرُ صعب للغاية نعم، وربما يتطور نحو الأسوأ، لكنّ تطوّره نحو الأفضل ليس ببعيد، وإن كانَ بعيداً.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3