هذا مصطلح او تعبير جديد سوف استخدمه في مقالاتي. ومعناه: "تقليل اعتماد الشعب على الحكومة"، وتأتي هذه الفكرة في نفس سياق الدعوة الى اقامة الدولة الحضارية الحديثة، الشعب والحكومة طرفان اساسيان في بناء الدولة. وينظم العلاقة بينهما عقد اجتماعي تأسيسي اسمه الدستور، سواء كان مكتوبا او غير مكتوب، وتكون العلاقة بين الدولة/ الحكومة والشعب في د ح ح علاقة متوازنة و متكافئة، حيث يقوم الشعب بانتخاب الحكومة، لتقوم بالنيابة عنه، بتنظيم شؤون المجتمع.

ولضمان حالة التوازن تعتمد د ح ح مبدأ الفصل بين السلطات، و "الاعتماد اللامتكافئ" من جانب الشعب على الحكومة احد العيوب الكبرى للدولة الريعية والدول المتخلفة، وهو يمثل خللا حادا في #المركب_الحضاري للدولة والمجتمع، وخللا حادا في العقد الاجتماعي نفسه، ومن مظاهر اختلال العلاقة تضخم الجهاز الوظيفي بالدولة، لان هذا يعني تحول عدد كبير من المواطنين الى موظفين لدى الدولة.

ولا يمكن ان يمارس المواطن دور المحاسب للدولة وهو اجير لديها. وهذا يشمل التظاهر ضد الدولة. فمع ان الدول تضمن حق التظاهر من اجل هذا الغرض، الا ان تظاهر موظفيها ضدها يمثل تناقضا وخللا. فكيف يتظاهر المواطن ضد الدولة وهو اجير لديها؟

ويتعذر تطبيق الديمقراطية في حالة اختلال العلاقة بين الدولة والمجتمع. ذلك ان الديمقراطية تتطلب استقلالية فعالة للمجتمع عن الدولة، ليكون بامكانه محاسبة سلطات الدولة المختلفة ومحاسبتها واعفاؤها بالطرق القانونية والدستورية المُقرّة. اما عند اختلال العلاقة، فسوف يكون الشعب خاضعا للدولة.

ولهذا نجد ان الانظمة الدكتاتورية، وهي الانظمة الاشد تخلفا، تحتكر في ان واحد: السياسة، والاقتصاد، والثقافة، والاعلام. وبامتلاك الدولة لهذه المجالات يفقد المجتمع بالكامل استقلاليته، ويقع في اسر، بل نير الدولة.

ويتم تحقيق استقلالية المجتمع وتقليل تبعيته للحكومة عن طريق استعادة سيطرته على المجالات الاربعة المذكورة. يتحقق الاستقلال السياسي عن طريق الاحزاب السياسية الديمقراطية الحضارية وجماعات الضغط ومنظمات المجتمع المدني. ويتعز الاستقلال السياسي برفع منسوب الثقافة الديمقراطية في المجتمع.

وتتعرض الاستقلالية السياسية للمجتمع الى ضربتين محتملتين مهمتين هما: (١) العزوف عن العمل الحزبي، و(٢) الكثرة المفرطة في عدد الاحزاب. وهذا ما يؤدي الى تضاؤل قدرة المجتمع السياسية في صنع القرارات العامة او التصدي للقرارات الخاطئة. ويتحقق الاستقلال الاقتصادي عن طريق القطاع الخاص الذي (١) يستقطب القسم الاكبر من القوى العاملة و (٢) يجعل المجتمع مسيطرا على شروط انتاجه. كما يلعب القطاع الخاص دورا مهما في ظهور الطبقي الوسطى التي هي عماد بناء الديموقراطية.

وتتم عملية "التحرير" على هذا الصعيد من خلال جهود رجال الاعمال وتوجه الشباب الى العمل الحر. وتتحقق الاستقلالية الثقافية للمجتمع عن طريق فصل النشاط الثقافي عن سلطة الدولة وتدخلها، وتحرير المثقفين منها. وهنا يتضح ايضا الخطأ الذي يقع فيه المثقفون بالارتباط بالحكومة بهذا الشكل او ذاك، وتتحقق الاستقلالية الاعلامية عن طريق الاعلام المستقل، وحرية الوصول الى المعلومات، وحرية النشر والتعبير.

وتتعزز النزعة الاستقلالية للمجتمع بعاملين اخرين هما: القضاء المستقل، والنظام التربوي الحضاري الحديث، فاما استقلال القضاء فهو تعزيز لواحد من اهم مبادئ الدولة الديمقراطية الحديثة وهو الفصل بين السلطات. وهذا الفضل يعزز العلاقة المتوازنة بين الدولة والمجتمع. اما النظام التربوي الحديث فمن شأنه ضمان تنشئة الاجيال الجديدة على هذه المفاهيم التي تؤكد على هذه العلاقة المتوازنة. يبقى ان اقول ان "تحرير الشعب من الحكومة" بالمعنى الذي شرحته في هذا المقال هو من المقدمات المهمة لاقامة الدولة الحضارية الحديثة.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق
حامد الجبوري
مقال رائع ومهم جداً، واتفق مع الكاتب أن الاستقلال السياسي والاقتصادي والثقافي والإعلامي، تسهم تحرير الشعب من الحكومة
لكن السؤال المطروح أن تلك الاستقلالية تحتاج لمن يقدح بذرتها كما تحتاج كما تحتاج البذور لفلاح يُنيتها. فمن الذي يستطيع أن يقدح فكرة الاستقلالية في ذهن الشعب ويحركه باتجاه التحرير والحرية ؟!2020-08-02

مواضيع ذات صلة

1