يمكن وصف حكومة مصطفى الكاظمي بانها اول حكومة عسكرية في العراق الديمقراطي بعد الاحتلال الأمريكي للبلد واسقاط حكومة صدام حسين عام 2003، اذ تتكون الحكومة الحالية من مثلث عسكري يتحكم باهم مفاصل الدولة، وهو رئيس الوزراء نفسه الذي ولد من رحم جهاز المخابرات، ووزير الدفاع الفريق الركن جمعة عناد الذي كان يشغل منصب قائد القوات البرية، ووزير الداخلية الفريق اول ركن عثمان الغانمي الذي كان رئيسا لاركان الجيش العراقي.

ليس هذا وحسب، بل أعاد الكاظمي كبار قادة الأجهزة العسكرية المهمة ابرزهم الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي الذي نصبه على جهاز مكافحة الإرهاب وهو اهم جهاز عسكري في العراق، وقد أعاد تعينه بعد مناشدات شعبية كثيرة، لما له من مقبولية لدى الشارع العراقي الذي يفضل اليوم القيادة العسكرية على حساب القيادة السياسية التي اثبتت فشلها، لا سيما مع ما يتردد من نجاحات لقيادة العسكرية التي انقلبت على الحكم الملكي عام 1958.

وبعد سبعة عشر عاما جرت خلالها اربع دورات انتخابية مع انتخابات للجمعية الوطنية واستفتاء على الدستور، تعود الحالة العراقية اليوم لتشابه ما كان يجري خلال حقبة الجمهورية الاولى، فلم تاتي واشنطن بجديد على العراق سوى الانتخابات وهي شكلية وغير مفيدة لان المناصب والحكومة يتم تشكيلها بتوافقات دولية ويبقى على قادة الداخل التوقيع فقط، الهيكل العام لمؤسسات الدولة بقي على حاله، والانهيار ازداد اكثر من ذي قبل، فلم يصلح الامريكيون الاقتصاد، وزادوا من الاعتماد على النفط ومعه ازداد الاعتماد على التوظيف الحكومي دون اي وجود للقطاع الخاص الا في نطاق مصلحة القوى المتنفذة.

اعراض خطيرة

للتجربة السياسية الجديدة عدة اعراض:

اولاً: تغييب الكفاءة وإعطاء الأولوية للولاء للحزب الحاكم او حتى للدول الخارجية، ما يعني ان أي شخص يمكنه الحصول على منصب حكومي شريطة توفر الولاء فيه.

ثانياً: غياب الرقابة، وهي مرتبطة بالنقطة الأولى، فالاحزاب قد تحمي الفاسد لمجرد انه ينتمي اليها، او قد تحميه الدول الخارجية لمجرد انه يحمي مصالحها، ما يعني ان الرقابة تكون فعلا منافياً للواقع.

ثالثاً: انتشار الولاءات الثانوية وغلبتها على الولاء للقانون، بحيث يمكن ان يعاقبك عضو بالبرلمان عشائرياً بدل ان يلجأ للقضاء في حال اختلفت معه، وحدث هذا اكثر من مرة.

رابعاً: كبت للاصوات الشعبية، وظهور تذمر عام، لكنه مخفي خشية التعرض للسجن او الانتهاك، لكون المواطن لا يملك من يدافع عنه مثلما يحصل مع أصحاب الولاءات الحزبية او الولاءات الخارجية.

خامساً: ظهور فكرة الانتقام الشعبي والحلول السريعة الحازمة، وبروز اصوات تطالب بحاكم قريب من الشعب يضرب القانون عرض الجدار، ويحكم بالعنف، ويعلق جميع من يكرههم الشعب بالتقاطعات المرورية بدون سند قانوني، فالمواطن يعتقد اليوم ان لا امل الا بوجود قبضة حديدية تعيد الامور الى نصابها، وتخلص البلاد من حالة الفوضى المتراكمة، وعلى اقل تقدير توقف النزيف.

الرغبة الشعبية في التحديث مع استمرار الاستعصاء عن الاستجابة من قبل القوى الحاكمة ينذر بما هو اسوأ للجميع، وبروز شعور بان ما سبق التجربة الديمقراطية افضل منها، وان ما كان يعتبر املاً للتحديث بات توزيعاً للنفوذ بين الدول، فكيف يمكن التعويل عليها مستقبلاً، يقول بعض المواطنين ان اكتشاف هذا الحجم من التخريب يجبرنا على العودة الى ما قبل ٢٠٠٣ على اقل تقدير كنا نملك بعضا من الدولة، وقليل من المؤسساتية، وقليل من الفوضى ايضا، حتى وصل الى المطالبة بعودة حكم البعث، ولم يعد التمجيد بزعيمه صدام عاراً، انما هناك الكثير ممن يمتدحون سياساته علانية.

الشعب يطالب بإلغاء مجال المحافظات ومجلس النواب، والأحزاب السياسية، بحجة انها تسببت بالفساد الذي ضرب جسد الدولة، لكن ماذا بقي للديكتاتورية هذه مقدمات للديكتاتورية التي تركب صهوة المطالب الشعبية، وتبدأ بتمجيد القادة العسكريين، ثم تدفعهم نحو قيادة الدولة، وما ان يتسلمون زمام السلطة حتى يتمسكون بها ويضربون القوانين والدستور وحقوق الانسان عرض الجدار مستفيدين من النقمة الشعبية ضد القوى السياسية التي فشلت في انتشال البلد من الفوضى.

فهل تتحول حكومة الكاظمي الى حكومة عسكرية؟ الامر متوقف على عدة عوامل، ابرزها تاثير القوى الدولية ومدى رغبتها في تحقيق الاستقرار النسبي الحالي او سحق الوضع السابق والتأسيس لوضع جديد، فضلا عن مدى قدرة الأحزاب والقوى السياسية الداخلية في التعاطي الفاعل وعرقلة اية جهود نحو عسكرة الحكم في العراق.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

11