هل ستتمكن سياسات ما بعد الحقيقة Post-Truth Politics إنهاء مشروع التنوير؟ الصحفيون والسياسيون استخدموا تعبير "عالم ما بعد الحقيقة" و"سياسة ما بعد الحقيقة". بعض ما بعد الحداثويون رحّبوا بهذا العصر الجديد. هم يدّعون بحماس ان هذا العصر سيكتب نهاية مشروع التنوير.

هذا الادّعاء يبدو صحيحا. ذلك لأن التنوير تبنّى مشروع السعي للحقيقة امام الدوغما الدينية والتعصب السياسي. التنوير أيّد وناصر العلوم التجريبية وطرقها المضادة للأحكام الدينية المرتكزة على الانجيل وسلطة الكنيسة. انه طالب باستخدام العقل والتبرير العقلاني في المؤسسات الاجتماعية المعادية للسعادة الانسانية. التنوير كافح من اجل حرية الكلام وحرية الصحافة في وجه الرقابة الدينية والسياسية.

ان التعبيرات المضللة والسيئة لـ "عالم ما بعد الحقيقة" و"سياسة ما بعد الحقيقة" برزت من نقاشات عام 2016 حول استفتاء بريطانيا على عضوية الاتحاد الاوربي وانتخابات الرئاسة الامريكية. في كلا الموضوعين جرى تطوير الكذب من جانب السياسيين والصحفيين. الكذب، ايضا يُعرف بـ "حقائق بديلة"، واصبح له رواجا سياسيا شرعيا. العديد من السياسيين الذي يلتمسون أصوات الناخبين لم يكونوا مهتمين بالجدال المنبثق من الحقائق المؤسسة جيدا والمدعومة بالدليل للوصول الى استنتاجات صحيحة. كل ما يهم هو الحصول على أصوات الناخبين لتمكينهم من الوصول الى الحكومة او لتحقيق اهدافهم الخاصة لا يهم كم هو حجم الكذب او مقدار التشويه في الحقائق.

سياسات ما بعد الحقيقة هي متابعة الأهداف السياسية بصرف النظر عن الحقائق او الدليل المتوفر. أحكام الخبراء، المحامون الدوليون والمؤسسيون، علماء المناخ والمحافظون والاقتصاديون وعلماء السياسة، جرى تنحيتهم جانبا على اساس ان الخبراء احيانا يرتكبون الاخطاء. ولكن لم يتم توضيح ادّعاءات ما بعد الحقيقة التي يعرضها صحفيون وسياسيون جاهلون وليسوا ذوي اطلاع في انهم انجزوا مناعة ضد الخطأ. لم يكن لديهم الدليل المناسب. ما عرضوه كان فقط الادّعاءات الحادة والسخيفة للسياسيين الشعبويين والكارزميين الذين يعتبرون الولاء للصحف الكبرى يفوق كثيرا أي اهتمام بالحقائق او العقل.

لابد من دفع الثمن الحتمي لتجاهل الحقائق وإهمال الحكم العلمي والتعليمي ونبذ التنبؤات العقلانية المتأسسة جيدا. لكن التكاليف بدأت على الارض. هذه التكاليف تتمثل بالضرر الذي وقع على روح الديمقراطية النيابية وضبابية التمييز بين الحكم الديمقراطي والحكم الديموتي (الشعبوي) demotic rule.

كيف نعرّف الحقيقة؟

ما يقوله الكائن البشري هو اما صحيح او كاذب. وعليه، فان الأفكار، العقائد، الشكوك، الحدس والتخمين للكائن البشري الذي يعبّر عن ذلك، هي ايضا تكون اما صادقة او كاذبة. الشيء الذي يُعبّر عنه بـ"ادّعي، أعلن، صرح، كشف" هو صحيح اذا كان الشيء هو بالفعل كما قيل عنه. لا توجد اشياء مثل الحقيقة التجريبية النسبية، لاشيء من قبيل "صحيح بالنسبة لي "او "صحيح لك". فقط الرأي هو الحقيقة، وان الافضليات التي ربما تُبرر او لا تُبرر عقلانيا، يمكن ان تكون ذاتية بهذه الطريقة. الشيء يكون صحيحا اذا كان قد تأسس بواسطة الملاحظة والتجربة. انه احيانا يأتي من شخص ما يحاجج بأمان ولا حاجة ضرورية للجدال معه.

ان انكار الحقيقة لا يضع حقيقة بديلة وانما الكذب. هل كونك معقول هو نفس كونك عقلاني؟ السمة المعرّفة للبشرية التي تميزنا عن الحيوانات الاخرى هي قدرتنا على التفكير. تلك القدرة لا هي هدية من الآلهة ولا هي اسطورة، وانما نتيجة لكوننا مخلوقات نستعمل اللغة. القدرة على التفكير تتضح في التفكير. التفكير يرسم استنتاجات من المقدمات او الافتراضات التي تبرر الاستنتاجات. عقل المرء يكون جيدا عندما توفر افتراضاته اسبابا جيدة للإيمان بان الاستنتاج صحيح.

الكائن العقلاني قادر على تمييز شيء ما كسبب، وهو قادر على وزن الاسباب، التشاور مع العقل، والوصول الى استنتاج على اساس من الأسباب. العقل يقوم بمهمتين اثنين هما الارشاد والتنظيم. عبر استخدام العقل نحن لدينا مرشد لأفكارنا وأحكامنا المتعلقة بالأشياء وبقراراتنا المتعلقة بما نريد وما نعمل، وبمشاعرنا لأننا لدينا عقول للتفكير وللفعل. باستخدام العقل نحن نتحكم بميولنا القوية للتفكير والفعل والشعور لأسباب سيئة او بدون أسباب. القرار باختيار ممارسة قدرتنا العقلانية هو متروك لنا.

المخلوقات التي تستطيع التفكير هي وحدها تستطيع الاجابة على سؤال "لماذا"؟، هم يستطيعون تبرير ما يعتقدون به، ما يشعرون به، ما ينوون القيام به، ويستطيعون تبرير وتوضيح ما اعتقدوا او، شعروا به او فعلوا. قدرتنا على التفكير لها وجهان: كوننا عقلانيين rational وكوننا معقولين reasonable. كل شيء معقول هو عقلاني ولكن ليس كل ما هو عقلاني معقول. الرجل الاقتصادي العقلاني هو نموذج للامعقولية. المرء يكون عقلانيا اذا كان تفكيره صالحا ولا يتأرجح بالاعتبارات غير الملائمة.

ولكن احدا ربما يكون عقلانيا في متابعة أهداف سخيفة او شريرة، او يسعى لهدف فردي (مثل مضاعفة الربح) في عدم اعتبار جميع الآخرين ومتناسيا الخير للناس الاخرين. كونك عقلانيا، بهذا المعنى، مرتبط بالاداتية Instrumentality. المعقولية وهي الوجه الآخر لقدرتنا في التفكير ترتبط بتقدير القيم وتعدديتها من حيث الوعي بالاهتمامات الشرعية للآخرين، وبالمقدرة على التوازن بين الادّعاءات المتصارعة للناس والمواقف. اللاعقلانية تتعارض مع كل من المعقولية والعقلانية.

ما هو مشروع التنوير؟

التنوير كان حركة فكرية اوربية-امريكية برزت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر في مراكز متعددة وفي اوقات مختلفة. أعضاء حركة التنوير كانوا جماعة صغيرة من المثقفين تضم الفلاسفة والعلماء الذين كانوا يكافحون تمايزات عصرهم وكذلك شخصيات نقدية بارزة. التنوير كحركة عالمية اكتمل في مؤتمر فيينا عام 1815، مع إعادة ادخال النظام القديم في كل اوربا، وإعادة تفعيل الكنيسة، وكبح حرية الكلام والدين، وإحياء قوانين العقوبات الوحشية.

مشروع التنوير مستمر حتى اليوم، وحاليا هو تحت تهديد خطير من اصوات الوطنية اللاعقلانية، الخوف من الاجانب، التعصب الديني، متطلبات الاقتصاد الرأسمالي لتعظيم ارباح الشركات ونمو الاقتصاد القومي في تجاهل الأهداف الاخلاقية والاجتماعية الاخرى، وهو يواجه ايضا تهديد سياسات ما بعد الحقيقة.

التنوير لم يكن عالميا فقط بالعضوية ومراكز النشاط، وانما هو عالمي في الروح ايضا لأنه ادّعى ودافع عن التبادل الدولي الحر للافكار والمعرفة العلمية (حتى في وقت الحرب) وطوّر برامج للسلام العالمي (كانط). رجال التنوير وافقوا على فكرة الامم المتحدة (ولكن ليس على تطبيقاتها). رجال التنوير الاوائل (مثل فولتير) لم يدعموا الديمقراطية وشعروا بالارتياح مع النظم الاوتوقراطية شرط ان تكون تنويرية ذات سلطات دستورية محددة. الأعضاء اللاّحقين مثل (بنثام Benthan، باين Paine، غودون Godwin) دعوا الى الديمقراطية النيابية.

في الواقع، جميعهم امتلك الايمان بالتقدم الاخلاقي والسياسي والقانوني الذي ينتج ليس من الثورات وانما من الاستخدام الحر للعقل وتطوير العلوم التجريبية. معظم مفكري التنوير كانوا مؤيدين لحقوق الانسان العالمية (باين، كانط) وكافحوا باقلامهم الكبيرة لأجل الاصلاح الجنائي وضد الاعتقال التعسفي واستخدام التعذيب القضائي والتطبيق الواسع لعقوبة الاعدام (بيكاريا Beccaria، بنتام). في الحقيقة، جميع أعضاء التنوير كانوا ضد رجال الدين. أعضاء الحركة الاوائل مالوا نحو الروحانية تبعهم فيما بعد اللاادريون ليتطوروا اخيرا الى ملحدين في اواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. هم لم يسعوا الى تحطيم الدين وانما دعوا الى التسامح الديني (ليسنك Lessing). معظمهم طالب بفصل الكنيسة عن الدولة، وازالة السلطة الدينية من التعليم. هم فضّلوا تعليما عالميا وانتشار المعرفة المرتكزة على بحوث تجريبية سليمة وعلى نظرية علمية موجهة نحو تحسين ظروف الانسان. وبقدر ما يتعلق الامر بالاخلاق، هم رفضوا الرؤية الثيولوجية القائلة بانه في غياب الايمان الديني والامتثال فلن تكون هناك اخلاق طالما ان الاخلاق تتأسس على مثال ديني.

بالعكس، طبقا لمفكري التنوير، الاخلاق ظاهرة طبيعية يمكن توضيحها بالاشارة الى التعاطف الانساني الطبيعي والحاجات الطبيعية للتعاون الاجتماعي (هيوم، آدم سمث)، او بالاشارة للاستعمال الطبيعي للعقل الانساني المستقل (كانط).

ماهي نتائج فقدان الايمان بالعقل؟

إهمال الايمان بالعقل سيخلق فراغا ما لم يتم افتراض بديل. ولكن الدعوة الى خيارات مثل (الوطنية الهائجة، كراهية الاجانب، الاصولية الدينية) هي ذاتها تستلزم اللجوء الى اسباب سيئة وفقيرة تخضع لمحكمة العقل. جزء من الالتباس بالتأكيد يبرز من الفشل في التمييز بين وسيلة العقلانية الاقتصادية والمعقولية. الاحباط من العولمة، سوء توزيع الثروة، الوصول الى المنافع الاجتماعية (الرفاهية، الرعاية الصحية، التعليم)، والاغتراب السياسي لايمكن اصلاحها باللاعقلانية، وانما فقط عبر المعقولية والنقاشات المعقولة. عندما ينهار ذلك، سيحصل الخراب المجتمعي.

هل نحن نعيش في عالم مفرط في العقلانية والمعقولية؟

كلا، ليس كذلك ابداً. افتقارنا للاستجابة الجادة للتحديات الكبرى التي تواجهها البشرية، مثل الاحتباس الحراري، الانفجار السكاني، لم يكن عقلانيا ابدا. نحن نندفع كالقوارض نحو هاوية الارتفاع بمقدار اربع درجات في حرارة العالم في نهاية القرن وسكان بمقدار 11.5 بليون نسمة.

شكلنا الحالي من الحياة المادية، الاستحواذية والشديدة المنافسة وغير الآمنة، يستلزم تفكك العائلة وإضعاف الهوية الاجتماعية، وفهم التعليم ليس كخير في ذاته وانما فقط كإعداد للمشاركة في اقتصاد السوق، وفرض نموذج اقتصاد السوق وعلاقات النقود على العلاقات الانسانية وعلى كل المؤسسات الاجتماعية (المدارس، الجامعات، المستشفيات، الخدمات العامة، الحياة الثقافية للامة)، وكل ذلك ليس عقلانيا.

اي من هذه القضايا او غيرها من المشاكل الاخرى سوف لن تُحل بالمزيد من اللاعقلانية واللامعقولية. هي يمكن حلها فقط بتحديد الحقائق ومواجهتها بالنقاشات العامة والحجج المعقولة.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

9