نيتشة (1844-1900) فيلسوف النقد وصاحب رؤيا فلسفية للحياة والأخلاق والفن والفكر بصفة عامة، يصعب في كثير من الأحيان تصنيفه، ديناميت كما يسمي نفسه، لهب ينير طريق المعرفة وسهم يصيب الحقيقة، ويعيد النظر في ترسبات الميتافيزيقا من تاريخ الفلسفة، وشعلة وعي في زمن المستقبل، دروب زرادشت ملتوية تبشر بأفكار الحرية والعود الأبدي والإنسان السوبرمان، نيتشة حامل للفكر النقدي، يسدد بمطرقته ضربات عنيفة وقاسمة للثابت، ويبقي على الصيرورة والتحول، فيلسوف عاشق للحقيقة كما يتصورها بعيدا عن المنطق والفكر الخالص، وتلك اليقينيات التي تم تثبيتها في تاريخ الفكر من الأفلاطونية والمسيحية، ونماذج التفكير في العصر الحديث.

يزيح النقاب عن أخطاء الفكر من الماضي، ويرمي الحكم في حق الحداثة وأدواتها المعرفية والمنهجية، عندما يحلل مظاهر العدمية والعقلانية وسيادة الروح العلمية وإبقاء الفكر الفلسفي على التعارض بين الجوهر والأشياء، يعود سريعا للروح الديونيسوسية، ويبشر بتعاليم زرادشت وتفوق الإنسان الأعلى بقيم جديدة، يعيد الاعتبار للجسد والرغبات والغريزة أو الحياة إجمالا، والخروج من الفكر الثابت إلى الفكر المتغير، ومن الحقيقة الواحدة إلى التنوع والتعدد.

يتفلسف نيتشة حتى يبرز لنا قوة أسلوبه في الكتابة والحلم الذي يراوده في عودة الناس إليه مستقبلا، فكره ليس للحاضر، ولا يفهم الإنسان تباشير المستقبل الذي تحمله الأفكار الجديدة، فلازال الشعب الألماني أسير المثالية وحبيس العقلانية، والاطلاقية التي رسخها هيجل في المطلق، نيتشة أشبه بنسر محلق يهفو نحو الأفق، ينظر بعيون واسعة نحو المستقبل، وبعد مائة عام يولد من جديد، ويصير زرادشت ملهما يدرس في الجامعات والمعاهد، ويستوعب الناس بقوة ما تحمله فلسفة زرادشت لهذا الإنسان وللعقول الحرة من قيم جديدة، ما وراء الخير والشر، ما بعد القيم البالية.

فالمطلق هنا هي الحياة التي تتحكم في خلق القيم، فهي أصل القيم العقلية والأخلاقية، أعني أنها هي المبدأ الكامن وراء كل معرفة وكل سلوك(1)، فعندما يلج الفيلسوف إلى عمق الحداثة الغربية والتي تشكلت من عصر النهضة والعصر الحديث وعصر الأنوار، يكتشف ملامح التأسيس للخطاب الميتافيزيقي الذي يهيمن عليه العقل والمنطق والقيم العقلانية، التي جاءت نتيجة لسيادة النزعة العلمية والذاتية، وهيمنة النزعة الإنسانية وثقافة الفردانية، عصر الحداثة في المجتمعات الغربية محددة بالأهداف والغايات، وباعتبارها نسقا مغلقا، فحسب نيتشة مجتمع العدمية الذي ينذر بانحطاط الحضارة الغربية وأزمة البورجوازية، وحاجة المجتمع للتجديد في القيم والمعنى.

تلك من أهم الأهداف التي سعى نيتشة في تقويضها، من العقلانية وتمجيد فلسفة الذات والوعي، والنقد الموجه للمثالية، ويكشف عن علاقة الفكر بالحياة، بل تشكلت الحقيقة في الفكر الفلسفي الحديث من خلال مفهوم التطابق، فأصبح عالم الحقيقة في النهاية حكاية، في عالم السياسة وخطاب الحرية المزيفة، وفي عالم الفكر وحرية الإرادة كما تصورها كل من هيجل وكانط، وحتى في الإرادة الحرة مع شوبنهاور، فالحقيقة مجرد أوهام نسينا أنها كذلك، وآلية نيتشة المناسبة في الكشف عن الحقيقة وأضدادها، والعودة للأصل بواسطة الجينيالوجيا، في فضح العدمية الأوروبية، وإعادة النظر في قيمة القيم، فلا تقيم الجينيالوجيا الأسس، إنها لا تؤسس بل على العكس من ذلك، إنها تقلق ما تعتقده بالميتافيزيقا ساكنا وتفتت ما تظنه موجودا، وتظهر التنوع في ما يبدو مستحيلا(2).

وبهذا يمكن اعتبار نيتشة الخط الفاصل بين الحداثة وما بعد الحداثة، والنظر إليه باعتباره الأب الروحي لما بعد الحداثة من حيث رؤيته للعصر، وعلاقة الانفصال بين الحداثة وماضيها، ومن خلال النقد الجذري للمفاهيم كالهوية والعقل والوعي والمنطق والحقيقة والتطابق، وبالمقابل يكشف الفكر النيتشوي عن الأضداد المولدة للأشياء والأفكار، يتعمق الفيلسوف بصدق كلماته المعهودة في القول بدون حواجز، صادق المشاعر والأفكار، ويتوغل في أعماق التاريخ والعودة للأصول للبحث في منابع الحقيقة والفلسفة للقول بالصيرورة والتحول، ولا يعني الأصل حسب هيدغر من أين جاءت الحقيقة ومصادرها، بل كيف تشكلت وتكونت فأصبحت حقائق يقينية، "ما بعد الحداثة" في واقع الأمر ليس سوى الموقف الذي يبحث عنه، اعتنقه نيتشة تجاه التراث الفلسفي الغربي (3).

صحيح أن نيتشة من كبار فلاسفة الغرب الذين دشنوا نقدا جذريا وعنيفا للحداثة الغربية، فمن أهداف نيتشة الأساسية تنقية الحداثة من شوائبها والكشف عن قواعدها، وما تخفيه من أوهام في نماذجها الخطية ورؤيتها المتكاملة للكون والحياة والإنسان، واعتبار الحقيقة في التنوع والتعدد والاختلاف واللاتطابق، ونقد العقل والمركز من المفاهيم التي مهدت لأفكار ستعلن عن ميلاد ما يسمي فلسفة ما بعد الحداثة أو لنقل ميلاد فكر الاختلاف والإعلان عن نهاية التاريخ ومركزية الإنسان وأحادية الحقيقة.

يختلف منظرو ما بعد الحداثة في معنى هذا المصطلح وزمن ظهوره، فهناك من يشير لأواخر القرن التسع عشر وبعضهم يعتبر حقيقة المصطلح بعد الحرب العالمية الثانية وسقوط الفلسفة البنيوية، ويمتد من 1970 إلى 1990، ونقول إن مفهوم الحداثة لا يمس التفكير الفلسفي فقط بل هناك ميادين أخرى كالعمارة والفن والهندسة المدنية والتي أصابها التغيير بعد الهدم والبناء والتجديد، من الولايات المتحدة الأمريكية انطلق تيار ما بعد الحداثة خصوصا مع المصري إيهاب حسن، مضمونه رفض اليقين المعرفي ورفض المنطق التقليدي، عالم ما بعد الحداثة ضد الحداثة ببساطة، أو عالم يصحح نقائض الحداثة ويتجاوزها، عصر ما بعد التاريخ، وما بعد الإنسانية، وما بعد السببية، وما بعد المحاكاة، وما بعد الميتافيزيقا، وما بعد التفسير، وما بعد التجاوز(4).

يعني إفلاس الحداثة ونهايتها، تآكل الذات وتقويض أسس العقلانية والأخلاق المثالية، فبدل الوحدة في الذات والحقيقة والانسجام، هناك التشتت والاختلاف والتعدد والتفكيك، والإنسان لم يعد مالكا للمعرفة، والكائن الصانع للتاريخ والفاعل والمريد، بل هذا الكائن محكوم ببنيات وسياقات مختلفة.

مرتكزات تيار ما بعد الحداثة الرفض القطعي للتنوير ولكل مركز، واعتبار العقل والحقيقة مجرد أوهام، وإعادة النظر في المعرفة واللغة، وتحويل الإرادة الحرة لإرادة المعرفة من خلال آليات السلطة وكيفية اشتغالها داخل المؤسسات، ومن خلال الخطاب وكيفية إنتاجه وتوزيعه وتعميمه، وتلك آراء خاصة بالفيلسوف ميشيل فوكو، ما بعد الحداثة رد فعل ضد البنيوية واللسانية، التشكيك والتفكيك واللانسجام، وكل ما هو منظم، وفتح المجال لفكر الاختلاف والتنوع.

فكر ما بعد الحداثة فكر تقويضي معاد للعقلانية وللكليات سواء كانت دينية أو مادية، فهو فكر يحاول أن يهرب تماما من الميتافيزيقا، ومن الحقيقة والمركزية والثبات، ويحاول أن يظل غارقا في الصيرورة، فهو تعبير عن المادية الجديدة السائلة(5)، فبدل المركز الواحد هنا تتجلى عدة مراكز مختلفة، عالم غير محكوم بالغايات المحددة والمرجعية الواحدة، بل هناك تنوع الخلفيات والمرجعيات، وكلها تتميز بطابع النسبية.

والفلاسفة الحقيقيون أولئك الذين يضعون القوانين كما قال نيتشة، المشرعون الذين ينفلتون من التنميط، ومن أحادية الحقيقة، ويصنعون تأويلات جديدة في عالم اليوم، العالم يتغير باستمرار ومركزية الأشياء تعني الاكتمال والنهاية، والحياة حسب نيتشة مقياس الحقيقة والمنفعة، فليس هناك نماذج خطية واتصالية بالتمام، الإنسان دو البعد الواحد يدور في فلك المرجعية الواحدة، زحزحة هذا الإنسان عن مركزه يعني التغلغل في ذاته ومعرفة الدوافع الظاهرة والكامنة.

ما بعد الحداثة إحداث للشرخ في الذات والمقولات الراسخة، وإيلاء أهمية لمجتمع الصورة، والذات حرة داخل مجالها أو عالمها الخاص، أما العالم الموضوعي فتحكمه الضرورة أي نفي للفاعلية أو على الأقل القول بوحدة الفعل والتفاعل والانفعال في قلب التحليل دون العودة للتمركز على ذاتية الإنسان المفكر في العصور الحديثة وعصر الأنوار.

ومن أبرز تيارات ما بعد الحداثة هناك النظرية التفكيكية رائدها الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، ويعتمد النقاش المحوري في التفكيكية على مبدأ السببية، أي الرأي القائل بأن الحقيقة في حد ذاتها نسبية، إذ تبنى دوما حسب وجهات النظر المختلفة، والنظم الفكرية المعدة للشخص الذي يبدي رأيه(6)، وتدعو التفكيكية للهدم والبناء باعتبارها إستراتيجية، تنطلق من إعادة قراءة النصوص الفلسفية والتغلغل في أعماق النص للتأويل والخلخلة، لا شيء يوجد خارج النص، ويحمل النص بذاته نصوص بداخله فيما يعرف بالتناص، الأهمية للقارئ وليس للمؤلف، وهدف التفكيك نقد الميتافيزيقا وتقويض أسسها، ويتميز مسلسل التفكيك بالهدم والبناء عند دريدا، وتجاوز الميتافيزيقا عند ميشيل فوكو وهايدغر في الربط بين المعرفة والسلطة والحقيقة، والحفر في ترسبات المعرفة بالعودة للتاريخ، وإعادة الاعتبار للمنسي والمكبوت، وفي فلسفة جون بودريار خضوع العالم لمدار مصطنع الذي حل محل الواقع، والقول بالدلالات العائمة ومجتمع الصورة، والحقيقة العائمة وما فوق الحقيقة، وعند دولوز فكر الاختلاف والترحال وإعادة الاعتبار للفن والسينما، وتحول الفلسفة نحو التنوع والتعدد وإبداع للمفاهيم بعيدا عن النسق، وإنكار الأصل والمرجعيات الثابتة.

يبقى نيتشة ملهم تيارات ما بعد الحداثة الذين اعتمدوا على ملامح من فلسفته وشيدوا فلسفة بدون مركز في حسن استخدام آليات منهجية وقراءة تاريخ الفلسفة بالنقد والهدم والتفتيت لإعادة رسم حياة جديدة بعد الإعلان عن نهاية الحداثة، مادام مفهوم الحقيقة لم يعد موجودا أو تلاشت الحقيقة المطلقة وتلك المقولات الثابتة في الفكر الغربي والبحث عن آفاق جديدة للتفكير بدون تقابلات أو الاستناد على الثنائيات الميتافيزيقية، ونقد الحقيقة والهوية والأصل فإن العالم يبقى قابلا للتأويل، ذوات مهمة في التأويل ونقد الحداثة، حسب فوكو، هناك ماركس في الاقتصاد والتاريخ، ونيتشة في القيم والمعنى، وفرويد في اكتشاف اللاشعور.

ومن خصائص تيارات ما بعد الحداثة تعرية المؤسسات وإعادة الاعتبار للهامش والمتخيل والمختلف والجنس، والكشف عن آليات الخطاب، والاهتمام بالخيال العلمي والعوالم الافتراضية، ومن عيوبها بث الشك والإجهاز على مكسبات الحداثة حتى اعتبر هابرماس من الأوان الحديث عن نهاية الحداثة، يمكن تطعيم الحداثة وإزالة الحجب عن مسار تقدمها بالعودة إلى منابعها الأولى دون القطيعة بين حاضرها وماضيها.

ما بعد الحداثة يمكن اعتبارها المنطق الجديد للرأسمالية المتأخرة، نمط جديد في الإنتاج والاستهلاك، ونمط آخر للإنسان كنقيض للإنسان ذو البعد الواحد في رأي ماركوز، وصحة الفكرة يعني دقة التحليل المستفيض للعصر التقني وللمجتمع الاستهلاكي، وللحقيقة المتعددة في رؤى مجموعة من المواقف لأعلام في الفكر المعاصر أمثال دريدا وليوتار وغاتاري ودولوز ورولان بارث وعبد الكبير الخطيبي وإيهاب حسن، وفي ميادين أخرى كالفن والهندسة المعمارية وفي عالم الموضة والأزياء والصورة والإشهار، أو بصفة عامة ما بعد الحداثة هي التشكيك في أسس الحداثة.

* كاتب من المغرب

........................................
هوامش :
(1) فؤاد زكريا " نيتشة " دار المعارف بمصر، سلسلة نوابغ الفكر الغربي، الطبعة الثانية ص 62
(2) عبد السلام بنعبد العالي "أسس الفكر الفلسفي المعاصر" دار توبقال للنشر الطبعة الأولى 1991 ص27
(3) أحمد عبد الحليم عطية " نيتشة وجذور ما بعد الحداثة " دار الفارابي،بيروت الطبعة الأولى ص124
(4) عبد الوهاب المسيري – فتحي التريكي " الحداثة وما بعد الحداثة " دار الفكر المعاصر لبنان – دمشق،الطبعة الثالثة 2010 ص 86
(5)عبد الوهاب المسيري – فتحي التريكي " الحداثة وما بعد الحداثة " ص 112
(6) كريستوفر باتلر " ما بعد الحداثة " ترجمة نيفين عبد الرؤوف، مؤسسة هنداوي، الطبعة الاولى 2016 ص22
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق