في حركة الاحتجاج العربية بطورها الثاني في الجزائر والعراق ولبنان والسودان برز صراع خفي ومعلن بين مجموعتين كلاهما يتشبّث بالوطنية، وهو امتداد لصراع قديم في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. وبغض النظر عن الاتهامات المتبادلة بالولاء الإقليمي أو الدولي، فالوطنية ستكون ناقصة ومبتورة، بل مشوّهة إذا كانت بلا حرّيات ولا حقوق، وكذلك إذا كانت تتحرّك تلبية لمصالح إقليمية أو دولية أو توظف بعيداً عن المصالح العليا للبلاد.

لقد كان صراع "الوطنية" عنواناً حاداً أيام الحرب الباردة، حين كانت الحكومات والمعارضات تتأرجح أحياناً بين معسكرين متناحرين يحاول أحدهما إلغاء الآخر، فاليساري لا يجد ضيراً في ولائه الأممي، والناصري والبعثي يجدان في ولائهما "القومي" الأساس في هوّيتهما العربيّة، في حين يتشكل ولاء الإسلامي بالانتماء إلى "الأمة الإسلامية"؛ وهكذا تكون الأممية والقومية والإسلامية عابرة للحدود الوطنية وأحياناً بتعارض مع المعيار الوطني.

إن صراع الماضي يستجد حاضراً بأشكال مختلفة، فأصحاب الولاء الإقليمي يتهمون أصحاب الولاء "الدولي"،ويغمزون التحرك للمطالبة بالحقوق والحريات باعتباره استجابة لإشارة أجنبية، والعكس الصحيح أيضاً، حين يصبح الولاء الدولي "مبرّراً" والولاء الإقليمي اتهاماً ، ولعلّ مثل هذه النظرة الإسقاطية هي امتداد لإرث الحرب الباردة ، فما قيمة الوطنية دون حقوق وحريّات؟ وما قيمة الحقوق والحريات حين يكون الوطن مرتهناً للأجنبي؟

قيمة الحقوق

وتتوزع الاتهامات بين من يحاول التقليل من قيمة الحقوق والحريات بزعم التهديد الخارجي، ولا يعني ذلك سوى الاستكانة والرضوخ والقبول بحكم الاستبداد، كما إن الاستهانة بضغط الخارج ومحاولات إملاء الإرادة والاستسلام، إنما تعرّض البلاد والحرّيات والحقوق ذاتها إلى مخاطر تتعلّق بالوجود، فهناك ترابط وثيق ومحكم بين الحقوق والحريات الذي بهما يمكن مجابهة التحدّي الخارجي وحماية الاستقلال وتحقيق التنمية المستدامة، إذْ أنّ شحّ الحقوق والحريّات يؤدي إلى إضعاف إمكانية المقاومة والتصدي للخطر الخارجي أياً كان مصدره إقليمياً أم دولياً، وتلك معادلة أثبتت التجارب التاريخية أهمية الحفاظ على توازنها ودقتها، وأي اختلال في موازينها يؤدي إلى اختلال في معيار الوطنية ذاتها.

وعلى الرغم من مضي أكثر من ثلاثة عقود على انتهاء الحرب الباردة والصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب إلّا أن الكثير من بقاياهما ما يزال يهيمن على المشهد السياسي الراهن وإن اتخذ أبعاداً جديدة، في حين أن الدرس الأول في الوطنية يعلّم أن لا إفراط ولا تفريط، ولا بدّ من مراعاة المصالح العليا في إطار التطور الكوني، وشرط ذلك الحقوق والحرّيات، فالعالم العربي ليس جزيرة معزولة، وإنما هو أرخبيل مفتوح على كل الاتجاهات، ولابدّ أن يتفاعل مع العالم والإقليم في إطار من التوازن وحماية المصالح وتبادل المنافع.

استعدتُ ذلك في براغ حين إلقائي محاضرة بدعوة من النادي الثقافي العراقي ارتباطاً بالتطورات التي يشهدها العالم العربي، فقد ظل الاعتقاد السائد أن مجتمعاتنا أصيبت بالشيخوخة والسبات العميق، وأن الروح الوطنية فيها خبت أو انطفأت، وأن الأنظمة الشمولية التي تحكّمت بمصائرها تمكّنت من تدجينها، وإذا بها تفاجئ الجميع، حين خرج المارد من القمقم، بشعارات بسيطة لكنها عميقة: "نريد وطناً" وحرّية وكرامة وعدالة ، وتلك كانت شعارات الموجة الثانية للتغيير على المستوى العالمي التي شهدتها أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينات من القرن الماضي.

تحول ديمقراطي

وكانت الموجة الأولى قد بدأت بالتحوّل الديمقراطي في أوروبا الغربية، حيث شهدت السبعينات الانعطاف نحو الديمقراطية في اليونان بعد الإطاحة بحكم الجنرالات وفي البرتغال بإسقاط دكتاتورية سالازار وفي إسبانيا بعد وفاة فرانكو.

ولم يكن لحركة التغيير العربية في طورها الأول الذي بدأ في تونس ومصر وامتدّ إلى عدد من البلدان العربية (2011) رمز قيادي أو زعيم مخلد أو قائد ملهم وفوق حدود النقد، مثلما لم يكن لها نصوصاً مقدسة ، ولم تقم على يقينيات أو سلفيات أو وعود، فقد كانت عابرة للآيديولوجيات والاصطفافات القومية والدينية والطائفية، وتجاوزت الأحزاب الكلاسيكية ولغتها الخشبية، من خلال فعل ثوري وطني جديد ونمط مختلف من التفكير والممارسة، لاسيّما بتعمّق الوعي الثقافي والإصرار على سلمية حركتها، وهكذا بدأت تنمو في جوف المجتمع اتجاهات جديدة ترفض الوصاية والأبوية والانصياع الأيديولوجي والتاريخي بعناوينه المختلفة، فقد كان يكفي شرارة واحدة ليندلع اللهب في السهل كلّه حسب ماوتسي تونغ.

ودون تفاؤل مفرط أو تشاؤم محبط، بتضخيم الذاتي على الموضوعي أو بالعكس، فإن ثمة أوضاعاً استثنائية تحتاج إلى معالجات استثنائية، وتلك تتطلّب قراءة ونقداً للواقع، لاسيّما بعد فشل المشاريع الكبرى الاشتراكية والقومية والإسلامية، وذلك من خلال توجّه وطني ذا هويّة جامعة، خصوصاً بانهيار بعض المسلّمات والفرضيات القديمة، فالجيل الجديد لا تهمّه الشعارات والتشّقات والتعاويذ العتيقة، إنه ابن الواقع ولا شيء يهمّه غير الواقع، والحلم بوطن يوفّر له الحدّ الأدنى من الكرامة الإنسانية.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في لمقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

10