لا أحد على وجه اليقين يعرف الى أين يتجه بنا السياسيون، البرلمان يشرع ما يضحك العراقيين، والحكومة صامتة، بينما مسلسل اغتيال الشباب متواصل، والمتظاهرون مصرون على بقائهم في الساحات لحين تحقيق المطالب برغم خسائرهم الجسيمة، والطرف الثالث يراهن على الاغتيالات لإنهاء التظاهرات.

بالمقابل تنتظر الحكومة ما يفعله الاغتيال والوقت والبرد بالمتظاهرين، وكأن الأمر لا يعنيها، ولا تقع مسؤولية حفظ أرواحهم في صلب وظيفتها، منشغلة عنهم برغبة البقاء في السلطة، مساومة هذا الطرف او ذاك للحصول على أطول مدة ممكنة، والا ما الذي يدفع حكومة مستقيلة للقبول بوضع يرتب عليها مسؤوليات كارثية.

واذا أخذنا بالحسبان الحوادث التي تزامنت مع أزمة التظاهرات كالعدوان غير المسؤول الذي ارتكبه الامريكان باغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي ابو مهدي المهندس، ومطالبة البرلمان بخروج القوات الامريكية من العراق، وتباين مواقف القوى المشاركة في العملية السياسية ازاء هذه المطالبة، فان الأزمة مفتوحة على جميع الاحتمالات، ولا أظن ان من بين الاحتمالات استجابة القوى السياسية لمطالب الشباب والمباشرة بإصلاحات حقيقية من شأنها انتشال العراقيين مما هم فيه من قلق وخوف، مع ان خسائرها ستكون باهظة اذا لم تتناغم مع مطالب الناس المشروعة والواقعية.

فلابد من الاقرار بفشل التجربة الماضية، وعدم تمكنها من تحقيق ما يمكن أن يُشار له، فلا يختلف اثنان على حجم الأموال المهدورة وشيوع الفساد وتغوله والتراجع المريع لمختلف الخدمات، ووضع البلاد بمواجهة قوى دولية طاغية لا تحكمها الأخلاق بقدر المصالح واستراتيجيات الهيمنة، وبالتالي فان خسائرها مع التناغم أقل بكثير من تلك التي يمكن حدوثها في حال تقاطعت مع مواقف الرأي العام المعتصم في ساحات التظاهر او المتضامن معه من خارج هذه الساحات.

فالتظاهر لا يعني مناصبة هذه القوى العداء بقدر السعي الى اصلاح حال البلاد، واذا كانت الجماهير مخطئة او مدفوعة او منفعلة، فاليقين الذي يؤكد صحة مطالبها ما اتخذته المرجعية من مواقف واضحة وصريحة حيالها.

ويمكن لهذه القوى والحكومة ان تقمع التظاهرات وانهائها ، كما كان الأمر في عقود خلت، ولكن ما النتائج المترتبة على ذلك ؟، قد يفضي هذا الاسلوب الى اليأس من التظاهر السلمي واللجوء الى العنف، ما يهدد كيان الدولة برمته، ويعرضنا لسيناريوهات مماثلة لتلك التي حدثت في سوريا والتي تجري في ليبيا، وهذا يفتح أبواب البلاد على مصاريعها لتدخلات دولية واقليمية بذرائع شتى، وربما يلجأ اليائسون الى الاستعانة بالغير لتحقيق التغيير، وهذا ما لا نتمناه أبدا، ان أضعف نتائج قمع التظاهرات تحولها الى رأي عام كامن ومتذمر يمكن له أن ينفجر عندما تسنح الفرصة وسيكون لانفجاره دويا.

والسؤال: ما الذي تخافه هذه القوى من اختيار رئيس وزراء مستقل اذا كان عمله لمدة محدودة ويقتصر في جوهره على التحضير لانتخابات مبكرة؟، فاذا كانت واثقة من رصيدها الجماهيري كما تقول فلم التحسب من عملية الاصلاح؟، ستفوز كما فازت في دورات سابقة، ان الذي لا تعرفه هذه القوى ان طول الأزمة وتسويف المطالب والتقاطع مع مطالب الشباب والنظر الى الجيران والمراهنة على السلاح يفقدها الكثير من رصيدها، ويعزز الشكوك في نزاهتها ومسيرتها.

وليكن معلوما لها ايضا ان الامريكان أرادوا باغتيال سليماني والمهندس في الاطار العراقي الانقضاض على حلم الاصلاح واستدراج القوى المناهضة لوجودهم لمواجهة عسكرية عبر حدث كبير من شأنه تفتيت الجبهة الداخلية العراقية، وتهيئة الأجواء المناسبة لتلك المواجهة، بوصفها البداية لإضعاف ايران من خلال استهداف المتعاطفين معها او المساندين لها او المرتبطين بها ، وبدائلهم ازاء ما يتعرضون له من ضغوط سياسية وعسكرية نقل قواتهم الى كردستان والمناطق الغربية المرحبة بها، اما خروجهم من العراق تماما ، فانه مع غياب الموقف الوطني الواحد والمتماسك يبدو مستحيلا، وسيبتكرون المشكلات تلو المشكلات اقتصاديا وأمنيا في مناطق نفوذ هذه القوى، فضلا عن تأليب الرأي العام عليها سياسيا واعلاميا . فلا يراد للعراق ان يتعافى ابدا.

ولذلك فلا سبيل سوى طريق الاصلاح لإحباط مخططات احراق الجنوب كما احرقت المناطق الغربية من قبل، واقناع الناس بأن التداول السلمي للسلطة ليس كذبة.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1