حقوق الإنسان هي حجر الزاوية في مشروع الاستقرار، لذلك من الضروري أن تتجه كل الجهود والطاقات نحو تنقية الفضاء من كل رواسب التخلف وانتهاكات حقوق الإنسان. وبناء مراصد وأطر وطنية وقومية، تستهدف تطوير الوعي الحقوقي وتنمية الثقافة الحقوقية

يبدو أن من المفارقات الصارخة في الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي حين الحديث أو تناول مسألة وواقع حقوق الإنسان في مجالنا العربي والإسلامي. هي أننا لن نتحدث عن راهننا ومستوى صيانته وحمايته لحقوق الإنسان الأساسية.

فنتغافل عن الواقع، ونهرب إلى ماضينا المجيد الذي توفر فيه وقائع وحقائق صانت حقوق الإنسان.

وتبرز هذه المفارقة حين الحوار والجدل مع المؤسسات والمنظمات الحقوقية الدولية. ففي الوقت الذي تتحدث فيه هذه المؤسسات عن ضرورة الحفاظ على حقوق الإنسان، وسن التشريعات والقوانين الحامية لهذه الحقوق. يكون الحديث العربي والإسلامي، عندما يتمتع به الدين الإسلامي من قيم وتشريعات تحمي الإنسان وتصون حقوقه الأساسية.

والمعضلة التي نراها شاخصة أمامنا اليوم، ليس في تشريعات الإسلام الحقوقية، وإنما في الواقع الذي يعيشه إنسان هذا المجال على صعيد الحقوق والمكاسب الإنسانية. والهروب من هذا الواقع المزري، والتشبث بوقائع الماضي ومقولات أن الدين الإسلامي فيه الشيء الكثير من القيم والأنظمة التي تصون حقوق الإنسان. أقول إن هذا الهروب، لا ينفع في شيء، ولا يغير من حقائق الراهن على هذا الصعيد.

فالمشكلة ليست في تشريعات الإسلام ونظمه وأحكامه، فهي رحمة كلها، ولا يمكن أن نتصور أن تشريعات الإسلام بعيدة عن صيانة كرامة الإنسان وحماية حقوقه الأساسية. فالإسلام كأنظمة قانونية وتشريعات سماوية، يحمي الإنسان، ويصون حرماته، ويقدس حقوقه. ولكن المشكلة ليست هنا، وإنما في الواقع الذي يمتلئ بأشكال امتهان كرامة الإنسان وإهدار حقوقه الأساسية.

ولا يجدي نفعاً حين تناول هذه المسألة، بتشريعات الإسلام، وإنما ينبغي أن تتوفر إرادة مجتمعية لإزالة كل أشكال الامتهان وصيانة حقوق الإنسان التي ضمنتها تشريعات الإسلام والمواثيق الحقوقية الدولية.

وإنه آن الأوان بالنسبة للعالمين العربي والإسلامي، من إنهاء حالة الخداع للنفس على هذا الصعيد. ففي الوقت الذي نعيشه ونختلف في تقويمه مع الجهات والأطراف الدولية. صحيح أن هذه الأطراف تمتلك الكثير من الأجندة والتصورات التي لا تنسجم ومصالحنا ورؤيتنا لواقع حقوق الإنسان وضوابطه الحضارية، ولكن هذا لا يعفي عن ممارسة النقد والشفافية تجاه الواقع على هذا الصعيد. فالواقع الذي تعيشه المجتمعات العربية والإسلامية، مليء بأشكال وحقائق امتهان كرامة الإنسان والتعدي على حقوقه، وإن استمرار هذه الحقائق والوقائع، أعاق الكثير من مشروعات التنمية والاستقرار.

فلا استقرار بلا صيانة حقوق الإنسان، فهي بوابة الاستقرار السياسي والاجتماعي.

ولا تنمية مستدامة، بدون إنسان مصانة حقوق ومحمية حرماته، فالإنسان الحر والذي يمارس حقوقه على أكمل وجه، هو الجسر إلى بناء تنمية مستدامة. ومن يبحث عن الاستقرار والتنمية بعيداً عن منظومة حقوق الإنسان، فإن مصيره الفشل والابتعاد عن الأسس الواقعية والفعلية للاستقرار والتنمية، فتجربة التقدم العلمي والاقتصادي والتكنولوجي في الغرب، ليست بعيدة عن منظومة حقوق الإنسان. فالإنسان الذي يشعر بالعزة والأمان، هو القادر على الإبداع والعطاء النوعي.

أما الإنسان الذي تمتهن كرامته، ويذل كل يوم عشرات المرات، فإن هذا الإنسان لن يتمكن من بناء واقعه وحماية مجتمعه وتطوير أمته. فالإنسان بصرف النظر عن أيدلوجيته وواقعه الاجتماعي، لن يدافع عن واقع هو أحد ضحاياه.

من هنا نصل إلى حقيقة أساسية في هذا السياق وهي:

أن هنالك صلة عميقة بين الاستقرار أي مجتمع، وبين حقوق الإنسان. فالمجتمع الذي تصان فيه الحقوق، فإنه يعيش الاستقرار، وتنعدم إلى حد بعيد عوامل الجريمة. أما المجتمعات التي تنعدم فيها حقوق الإنسان، وتمارس عوامل العسف والقهر والظلم بحق إنسانها، فإن موجبات الاضطراب وعوامل التمرد على القوانين والأعراف ستزداد.

لذلك فإن من العوامل الأساسية، التي تساهم في حفظ الاستقرار، هي حقوق الإنسان. فكلما احترمت هذه الحقوق، ازدادت فرص الأمن والاستقرار في المجتمع.

لذلك فليس مطلوباً الدخول في معركة نظرية مع الآخر الحضاري على هذا الصعيد. وإنما المطلوب هو العمل على توفير كل مستلزمات ومتطلبات صيانة وحماية حقوق الإنسان في الفضاء الثقافي والاجتماعي والسياسي العربي والإسلامي. فلا يكفي أن تكون تشريعات الإسلام تحترم الإنسان وحقوقه، كما لا تكفي عملية اللجوء والهروب إلى الماضي على هذا الصعيد. الذي يكفي هو: أن يكون الحاضر مليئاً بحقائق صيانة وحماية حقوق الإنسان. وحده تطوير الواقع وتنقيته من كل رواسب التخلف والانحطاط، هو الذي يوفر فرص وإمكانات التجاوز لكل الضغوطات والتحديات.

وفي هذا السياق من الضروري التأكيد على النقاط التالية:

1- إن تشريعات الإسلام وأحكامه الضامنة لحقوق الإنسان، ينبغي أن لا تكون عامل تبرير للواقع الذي نعيشه. بل من الضروري أن تتحول إلى عامل ضغط من أجل تصحيح الأوضاع وتنقية الفضاء، ورفع الغطاء القانوني والاجتماعي عن كل الممارسات التي تمتهن كرامة الإنسان وتنتهك حقوقه.

فالإسلام حذر كل الحذر، من أن يذل الإنسان نفسه لأي شيء في الوجود، فالعزة مطلوبة ومقدسة وينبغي للإنسان المسلم أن يحافظ عليها. لذلك من الأهمية أن تتحول أحكام الإسلام وتشريعاته على هذا الصعيد، عامل ضغط من أجل إنهاء كل وقائع انتهاك حقوق الإنسان من الواقع والفضاء الاجتماعي.

2- إن الحرية التي تصون كرامة الإنسان وحقوقه، هي تلك الحرية النابعة من تحرر الإنسان من كل الشهوات والأهواء، التي تحاول أن تدفعه إلى الحضيض. فبمقدار تمكن الإنسان من التحرر من أهوائه ونزعاته الشيطانية بذات المقدار يتمكن من الاستفادة من بركات الحرية في واقعه الاجتماعي والسياسي. فالحرية دائماً بحاجة إلى إنسان حر، والإنسان الحر هو الذي يتحرر من رذائل الدنيا والشهوات التي تركته في الأرض. من هنا قيل إن (الطمع رق مؤبد). فحينما يتحرر الإنسان من الدنيا، ويتخذ الموقف الصحيح منها، يستطيع أن ينجز حريته ويحافظ على كرامته. لذلك قيل:

كد العبد إن أحببت أن تصبح حرا

واقطع الآمال من مال بني آدم طرا

لا تقل ذا مكسب يزري فقصد الناس أزرى

أنت ما استغنيت عن غيرك أعلى الناس قدرا

فالحرية الحقيقية، هي أن يتحرر الإنسان من أهوائه وشهواته وحاجاته المذلة.

3- هناك العديد من النصوص والتوجيهات الإسلامية، التي ترفض ثقافة القهر والعنف والتطرف والتعدي على الآخرين. وتؤسس في المقابل لثقافة العفو والرفق وحُسن الظن والالتزام بقيم العدالة والتسامح في التعامل مع النفس والآخرين. إذ يقول تبارك وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا أعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} (سورة المائدة، آية 8).

ولا شك أن هذه الثقافة التي يؤسسها الإسلام ويبرزها بشكل واضح الذكر الحكيم، هي التي تشكل الأرضية النفسية والاجتماعية المناسبة لتوطيد قيم حقوق الإنسان في المحيط الاجتماعي. ويسند ذلك ضرورة استخدام العقل ومحاربة كل محاولات وأشكال تعطيل العقل ومصادر حريات التفكير والتعبير.

وعليه فإن المطلوب ليس الهروب إلى الماضي، والاحتماء المجرد بتشريعات الإسلام، وإنما المطلوب هو بناء الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي على ضوء حقوق الإنسان.

فحقوق الإنسان هي حجر الزاوية في مشروع الاستقرار، لذلك من الضروري أن تتجه كل الجهود والطاقات نحو تنقية الفضاء من كل رواسب التخلف وانتهاكات حقوق الإنسان. وبناء مراصد وأطر وطنية وقومية، تستهدف تطوير الوعي الحقوقي وتنمية الثقافة الحقوقية وملاحقة كل حالات الانتهاك ومراكمة الحقائق التي تحترم كرامة الإنسان وتصون حقوقه الأساسية.

فقوة أي مجتمع بمدى التزامه بحقوق الإنسان، ومقتضياتها المتعددة. لذلك فإننا نشعر بأهمية الانعتاق من تلك المقاولات الجاهزة، التي تبرر تأخر العرب والمسلمين على الصعيد الواقعي فيما يرتبط بالمسائل والقضايا المتعلقة بحقوق الإنسان.

فلا الهروب إلى الماضي ينفع، ولا بيان الفروقات الحضارية بيننا وبين الآخرين بوحدة، ينهي مشاكلنا وأزماتنا.

وحده العمل المتواصل الذي يستهدف إرساء معالم وحقائق الإنسان في الفضاء الاجتماعي والثقافي والسياسي، هو الذي يساعد على الخروج من دائرة الضعف والجمود والاستلاب.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2