آراء وافكار - مقالات الكتاب

الوطن للجميع

لعل من المآزق التي تواجه المجتمعات المتنوعة عموديا وأفقيا، هو أن كل لون من ألوان الوطن، يريد الوطن بأسره من أقصاه إلى أقصاه على مقاسه ومنواله.

لذلك حينما يتحدث عن الوطن، يتحدث وفي رؤيته العميقة أنه يقصد ذاته، ويريد من الآخرين أن يتقمصوا ذاته ويلتزموا بقناعاته.

وهذه الإشكالية بطبيعة الحال، تقود إلى إشكاليات وأزمات أخرى. وبعيدا عن الدخول في متواليات وتأثيرات هذا المأزق، نود القول: أن الأوطان مهما صغرت جغرافيتها أو كبرت، لا يمكن أن تكون بمقاس لون من الألوان، أو طرف من الأطراف.

لأن الأوطان بطبعها هي للجميع، وأي جهد تعسفي يبذل لكي تكون الأوطان بمقاس لون أو مكون من المكونات، فإن مآل الأخير هو الإخفاق والفشل. لذلك من الضروري الإقرار على المستويين النفسي والمعرفي، ومن قبل جميع الأطراف ودوائر الانتماء، أن الوطن يسع جميع الألوان، ويحتضن جميع الأطراف. وأن هذه الأوطان ستصاب بأزمات شديدة، حينما يقرر طرف من الأطراف أنه يريد أن يكون هذا الوطن بمقاسه ومزاجه ووفق ما يشتهي. إن هذه الإرادة ستقود إلى أزمات ومشاكل بين ذات الأطراف والمكونات، كما أنها ستدشن لحالة من تصغير الوطن سواء على مستوى معناه أو على مستوى رسالته، وهذا بطبيعة الحال يضر براهن الوطن ومستقبله.

وعليه من الضروري الانطلاق من هذه المسلمة، التي بحاجة أن يدرك مغزاها ومدلولها الجميع. أن هذا الوطن لا يخضع لمقتضيات القلة أو الكثرة، ولا يخضع لمقتضيات القريب والبعيد، هو [أي الوطن] للجميع بكل ألوانهم وأطيافهم وقناعاتهم.

وحينما تتمايز وجهات النظر بين أهل الوطن الواحد، أو تتعدد انتماءاتهم التقليدية والتاريخية، لا يعني هذا بأي حال من الأحوال أن هناك طرف من الوطن وطرف آخر من خارج حدود هذا الوطن.

فمهما كان الرأي والتباين فيه، لا يحق لأي طرف من أطراف الوطن أن يدخل أحدا أو يخرج أحدا من هذا الوطن الذي يعشقه الجميع وعلاقة الجميع به، ليست علاقة فوقية أو طارئة، بل علاقة عميقة وذات أبعاد مادية ومعنوية، لا يمكن لأي أحد أن يتجاوزها أو يتغافل عن متطلباتها.

من هنا تعالوا جميعا على المستويين النفسي والمعرفي، نخرج الوطن بكل لوازمه، من سوق المزايدات الإعلامية أو السياسية أو الأيدلوجية.

لأن هذه المزايدات، لن تغير من حقيقة انتماء الجميع لهذا الوطن من أقصاه إلى أقصاه. وإن اختلاف القناعات والأفكار ينبغي أن يقود إلى الإنصات المتبادل والتفاهم المشترك والحوار المستديم..

وليس الدخول في سوق المزايدات على وطنية المواطن. فأهل الوطن والذين لا يعرفون غيره في الوجود، وذاكرتهم التاريخية في الانتماء، لم تتعدى حدود هذا الوطن، ليسوا بحاجة إلى فحص دم من أحد، ولا يجوز أخلاقيا ووطنيا، مع أي اختلاف أو تباين في الرأي أو الموقف أو القناعة ندخل في مربع المزايدة على هذا الصعيد.

ولو فتح كل شخص أو طرف لنفسه، حق فحص دم الأشخاص أو الأطراف الأخرى على المستوى الوطني، فإن كل طرف قادر أن يتحدث ويشكك ويزايد، ولكن ما هي النتيجة الفعلية لذلك. لا شيء، سوى المزيد من الإحن وتنمية الأحقاد واستدعاء التاريخ بكل حمولاته السلبية.

أسوق هذا الكلام، ليس من أجل الدخول في مماحكات على هذا الصعيد مع أحد، وإنما للقول للجميع وبدون استثناء، أنه اقلعوا عن هذه الطريقة في التعامل مع شركاءكم في الوطن، ولا تساهموا في تأزيم العلاقة بين أهل الوطن الواحد. المطلوب من الجميع العمل على رص الصفوف وسد الثغرات وتقوية اللحمة الداخلية، وإذا لا أود لأي سبب من الأسباب المشاركة والمساهمة الفعالة في هذه الأدوار، فعلي التوقف عن بث الفرقة والدخول في هذه المهاترات الأيدلوجية، التي لن تغير من حقائق الوطن، ولن تحول هذه الحقائق إلى أوهام أو أرقام مجردة.

فالوطن للجميع بكل خصوصياتهم، ولا يجوز لأي طرف المزايدة في هذا السياق. وتباين القناعات لن يدخل أو يخرج أحد من هذا الوطن الذي يسع الجميع ومن حقهم جميعا.

وفي هذا السياق أيضا نود التأكيد على الأفكار التالية:

1ـ ثمة ضرورة وطنية قصوى وبالذات في هذه الظروف الحساسة، أن نعترف جميعا بمقتضيات التنوع، وإن هذا التنوع الأفقي والعمودي، ليس عورة الوطن التي يجب إخفاؤها، وإنما هي ثروة الوطن التي تتطلب رؤية حضارية ووطنية عميقة لاستثمارها في تعزيز البناء الوطني وتمتين لحمته الداخلية.

ونحن جميعا كأهل وطن واحد، نتحمل مسؤولية العمل لمواجهة التحديات التي تواجه الوطن، بدون الدخول في سوق المزايدات التي يضمر أكثر مما يظهر، وكأن الأوطان تباع وتشترى.

2ـ تعالوا جميعا وبدون استثناء نعمل ونكافح من أجل أن لا تكون العلاقات الوطنية بين مختلف الأطراف والأطياف صدى لمشكلات الخارج وأزماته.

فالمطلوب من الجميع حماية الوطن من مشكلات الخارج. وما يجري اليوم على أكثر من صعيد، إننا جميعا رهنا علاقاتنا الوطنية بطبيعة الأحداث والتطورات التي تجري في المنطقة.

وهذا بطبيعة الحال سيقود إلى مآلات سلبية على الجميع. قد نختلف في تقويم الأحداث التي تجري في هذا البلد أو ذلك، وقد تتباين وجهات نظرنا في النظر إلى تطورات المنطقة وأحداثها المتسارعة، ولكن لا يجوز لأي طرف أن يرتب علاقته مع شريكه في الوطن على ضوء تطورات المنطقة والإقليم.

والمطلوب دائما وأبدا رفض نقل معارك الخارج إلى الداخل، وتحميل وزر أحداث الخارج على أحد مكونات الوطن. وقراءاتنا المختلفة لأحداث المنطقة، لا يشرع لأي طرف نقل مقتضيات تلك المعركة إلى الداخل. لأن تحويل وطننا إلى صدى لمشكلات الخارج، يضر باستقرارنا، ويهدد نسيجنا الاجتماعي.

فتعالوا جميعا نقرر أن نحصن وطننا، ونحمي وحدته، ونذود عن عرينه، ولا نحمل أنفسنا وزر معارك الخارج وتوتراته المتنقلة.

ولا بد أن يدرك الجميع أن حماية السلم الأهلي، أولى من كل المعارك واليافطات الأيدلوجية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

7