لم تحقق مبادرة الحوثي التي أعلن فيها وقفاً للهجمات بالصواريخ و"المسيّرات" على السعودية من جانب واحد، الاختراق المطلوب... بيد أنها لم تذهب أدراج الرياح كذلك، الوزير عادل الجبير قال إن بلاده تراقب وتدرس، والموفد الأممي مارتن غريفيت رأى فيها مبادرة هامة يمكن أن تعيد الاعتبار لمسار التفاوض والسلام... الأمر يعني إذا، أن ثمة شيء يتحرك، أو قد يتحرك قريباً، على المسار السياسي للأزمة اليمنية.

في توقيت المبادرة المفاجئ، أنها جاءت بعد مرور أيام قلائل على أكبر عملية استهداف للعمق السعودي في بقيق وخريص، وتوقف المملكة عن تصدير أكثر من خمسة ملايين برميل من النفط يومياً... الحوثي تبنى العملية وأعلن مسؤوليته عنها، فيما أنظار المملكة تتجه نحو الحدود الشمالية الغربية، وتحمّل إيران، من دون أن تتهمها رسمياً بعد، المسؤولية عنها.

وفي التوقيت أيضاً، أن مبادرة الحوثي أحادية الجانب، سبقت بأيام قلائل،’ مشروعاً إيرانياً ينوي الرئيس حسن روحاني عرضه على الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويحمل عنوان "الأمل"، ويهدف إلى بناء منظومة إقليمية للأمن والتعاون في الخليج، تقع مسؤولية بنائها وأدامتها أساساً على دول المنطقة، من دون أن يغفل عن تأكيد الدور القيادي لبلاده في حفظ أمن الخليج ورعايته.

لن ندخل في الجدل العقيم حول مواقع انطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ التي ضربت "آرامكو"، فسواء كان اليمن أم إيران هو نقطة انطلاق الهجمات، فإن ثمة محور في المنطقة، بات يعتقد أنه سجل نقطة رئيسة لحسابه، وعلى حساب المحور الآخر، سيما بعد أن وقفت الولايات المتحدة، عاجزة عن اتخاذ قرار الحرب، أو على الأقل "رد التحية بمثلها" لإيران... ثمة شعور بالنشوة في أوساط هذا المحور، حتى وإن أحالت العقوبات الأمريكية حياته الاقتصادية والاجتماعية، إلى جحيم لا يُطاق.

ويعتقد هذا المحور، أن بمقدوره اليوم، وربما أكثر من أي وقت مضى، الذهاب إلى مفاوضات وتسويات بشروط مواتية، سيما فيما خص اليمن وأزمتها الكارثية المتطاولة لما يقرب من خمس سنوات... كما تعتقد طهران، أن رسائلها القاسية و"الخشنة" قد وصلت إلى كافة عواصم القرار ذات الصلة، وأنها لم تترك مجالاً للشك، في تصميمها على اعتماد "خيار شمشون" إن اقتضت الضرورة... الهجمات على "آرامكو" تخطت تكتيك "حافة الهاوية" إلى تجريب الانزلاق إلى قهرها... يبدو أن الانزلاق جاء آمناً حتى اللحظة على أقل تقدير.

ولا أحسب أن المبادرة، قد هبطت على الحوثي ذات ليلة صافية الأديم، بل ربما تكون ثمرة جهد تفاوضي يجري خلف الكواليس، تقوده وساطات متعددة، وينشط على دروبه الموفد الأممي، كأن تأتي المبادرة أولاً، ومن جانب الحوثي منفرداً، ومن باب "حسن النيّة"... المملكة لم تتأخر في الرد على المبادرة، ما يرجح أنها ليست منفردة، وأنها ربما تكون جزءاً من "رزمة" متفق عليها... لكن الرياض تفضل التريث والمراقبة، قبل أن تلتقط "السلّم" المعروض عليها للخروج من خيار "الحسم العسكري" إلى فضاء "الحل السياسي"، والحديث هنا للوزير الإماراتي أنور قرقاش في معرض شرحه وتفسيره لقرار بلاده الانسحاب عسكرياً من اليمن.

قد تكون المبادرة عملية "جس نبض"، وقد تكون بداية مسار، لكن من السابق لأوانه الجزم بأنها تمثل الجزء الظاهر من جبل الجليد، فلا جبل جليدياً يخفيه الحوثي أو خصومه، الأرجح أننا أمام محاولة لتسهيل قرار إنهاء الحرب من جانب المملكة، بعد أن أعلنت الإمارات أن حربها في اليمن انتهت، وبعد أن أعلن الحوثي رغبته مراراً وتكراراً في التعامل مع السعودية بدلاً مع حلفائها من اليمنيين... فهل تكون واقعة "آرامكو" آخر الفصول "الدرامية" في حرب السنوات الخمس، أم أن اتساع شقة الخلاف بين الأفرقاء، وصعوبة تجسير المواقف والمصالح والحسابات، إنما يستوجبان مزيداً من التسخين قبل أن تنضج "طبخة السلام"، الذي يعتقد الجميع بأنه الطريق الوحيد لحل الأزمة اليمنية، إذ لا حل عسكرياً لها، كما ثبت واتضح لكل ذي بصرٍ وبصيرة.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1