ثمة حقيقة أساسية يبرزها النص القرآني، وهي أن الإنسان هو صانع حركة الحياة ضمن السنن الكونية والاجتماعية التي تمثل القوانين التي أودعها الله في الكون وفي حركة الإنسان في المجتمع. لذلك يقول تبارك وتعالى (ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميعٌ عليم) (الأنفال، الآية 53).

فالإنسان يتحرك في الحياة من خلال أفكاره، وحركة الأفكار هي التي تمثل حركة الحياة. لأن حركة الحياة هي صورة ما نفكر به. لذلك كله فإن التغيير الذاتي على مستوى الطبائع والأفكار والقناعات، هو قاعدة التغيير الاجتماعي والسياسي. فقضايا الاجتماع الإنساني لا تتغير وتتحول إلا بشرط التحول الداخلي - الذاتي - النفسي.

فالتعاليم القرآنية واضحة في أن في هذا الكون وحياة الإنسان سنناً وقوانين، هي التي تتحكم في مسيرة الكون، كما أنها هي القوانين المسيرة لحياة الإنسان الفرد والجماعة.

والإنسان في المنظور القرآني، هو نفحة ربانية استحقت التكريم الذي بوأها أعلى مرتبة في الوجود، أعني الاستخلاف في الأرض بصريح الآية القرآنية (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويفسك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون) (البقرة، الآية 30).

ومن أجل ذلك استحق الإنسان التكريم بقوله تعالى (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) (الإسراء، الآية 70).

وحتى يحقق الإنسان وظيفته على أحسن وجه كان كل ما في الوجود مسخراً لفائدته، وكان العالم مسرحاً لكل فعالياته بصريح آيات قرآنية عديدة منها قوله تعالى (ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم) (الحج، الآية 65).

والكائن الإنساني في الرؤية القرآنية، له القدرة والاستطاعة على ممارسة الحرية والاختيار. بمعنى أن الفعل الإنساني ليس خاضعاً لمقولات القسر والجبر، كما أنه ليس بعيداً عن قوانين الله سبحانه وأنظمته في الكون والمجتمع. بمعنى أن الباري عز وجل هو خالق أفعال الإنسان، لأنه بجميع أفعاله مخلوق الله، ولكن مع ذلك له استطاعة يحدثها الله فيه مقارنة للفعل. لذلك فإن الإنسان مكتسب لعمله، والله سبحانه خالق لكسبه. فالفعل الإنساني في مختلف دوائره ووجوده، هو خاضع لمنظومة من القيم والسنن والتي ينطلق الفعل الإنساني من خلال الالتزام بهذه المنظومة. فالإنسان ليس خالقاً لأفعاله، كما أنه ليس مجبوراً في أفعاله وإنما هو (لا جبر ولا تفويض وإنما أمر بين أمرين)..

لذلك يقول تبارك وتعالى (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون) (القصص، الآية 68).. والله سبحانه وتعالى أكرم من أن يكلف الناس ما لا يطيقون، والله أعز من أن يكون في سلطانه مالا يريد.. فإرادة الله هي التي صنعت إرادة الإنسان.

والإنسان هو الكائن الوحيد الذي اختار أن يكون قدره أكثر من إمكان واحد، وأوفر من احتمال واحد في الزمان والمكان. لهذا كله فإن احترام الإنسان وصيانة حقوقه من أعظم المهام والوظائف في حياة الإنسان في الوجود. فلا يصح بأي شكل من الأشكال أن الباري عز وجل يكرم الإنسان ويصون حرماته وحقوقه، ويأتي الإنسان ويمتهن حقوق الإنسان وكرامته.

إن التوجيهات الإسلامية، تؤكد وبشكل لا لبس فيه، أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال انتهاك كرامة الإنسان أو التعدي على حقوقه ومكتسباته الإنسانية والمدنية.

والاختلافات العقدية والفكرية والسياسية بين بني الإنسان، ليست مدعاة ومبرراً لانتهاك حقوقه أو التعدي على كرامته. بل هي مدعاة للحوار والتواصل وتنظيم الاختلافات وضبطها تحت سقف كرامة الإنسان وصون حقوقه.

ولقد آن الأوان بالنسبة لنا نحن العرب والمسلمين، إلى إعادة الاعتبار إلى الإنسان ومقاومة كل حالات التعدي على حقوقه ومكتسباته. فالاختلاف مهما كان شكله أو طبيعته، ليس مبرراً ومسوغاً لانتهاك حقوق الإنسان. فالخالق سبحانه وتعالى أكرم الإنسان، ودعانا وحثنا جميعاً وعبر نصوص قرآنية عديدة على احترام الإنسان بصرف النظر عن لونه أو عرقه أو فكره، وصيانة كرامته وحقوقه.

والحرية بوصفها مصدر المسؤولية، لا تفضي بالكائن البشري إلى اختيار الحق والعدل والخير بالضرورة. بل تجعل الاختيار مفتوحاً على جميع الاتجاهات والاحتمالات. لذلك كان التاريخ البشري حافلاً باختيار الظلم والشر إلى جانب العدل والخير، وكان الإنسان مسؤولاً عن ذلك كله. أما الكائنات الأخرى، فليست مسؤولة عن ما يعرض لها أو بسببها لأنها ليست كائنات مختارة.

فالباري عز وجل لم يخلق الإنسان خلقاً جامداً خاضعاً للقوانين الحتمية التي تتحكم به فتديره وتصوغه بطريقة مستقرة ثابتة، لا يملك فيها لنفسه أية فرصة للتغيير وللتبديل، بل خلقه متحركاً من مواقع الإرادة المتحركة التي تتنوع فيها الأفكار والمواقف والأفعال، مما يجعل حركة مصيره تابعة لحركة إرادته. فهو الذي يصنع تاريخه من خلال طبيعة قراره المنطلق من موقع إرادته الحرة، وهو الذي يملك تغيير واقعه من خلال تغييره للأفكار والمفاهيم والمشاعر التي تتحرك في واقعه الداخلي لتحرك الحياة من حوله.

وهكذا أراد الله للإنسان أن يملك حريته، فيتحمل مسؤوليته من موقع الحرية. ويدفعه إلى أن يواجه عملية التغيير في الخارج بواسطة التغيير في الداخل، فهو الذي يستطيع أن يتحكم بالظروف المحيطة به، بقدر علاقتها به، وليس من الضروري أن تتحكم به. فالإنسان هو صانع الظروف، وليست الظروف هي التي تصنعه. وعليه فإن تطوير واقع الحرية في الحياة الإنسانية، يتوقف على الإرادة الإنسانية التي ينبغي أن تتبلور باتجاه الوعي بهذه القيمة الكبرى أولاً، ومن ثمَّ العمل على إزالة كل المعوقات والكوابح التي تحول دون الحرية.

فالحرية في الواقع الإنساني لا توهب، وإنما هي نتاج كفاح إنساني متواصل ضد كل النزعات التي تعمل على إخضاع الإنسان وإرادته. سواء كانت هذه النزعات ذاتية مرتبطة بحياة الإنسان الداخلية، أو خارجية مرتبطة بطبيعة الخيارات السياسية والاقتصادية والثقافية، التي قد تساهم في إرجاء الحرية أو تعطيلها ووأد بذورها الأولية وموجباتها الأساسية.

وما دام الإنسان يعيش على ظهر هذه البسيطة، سيحتاج إلى الحرية التي تمنحه المعنى الحقيقي لوجوده. ولكي ينجز هذا المعنى، هو بحاجة إلى إرادة وكفاح إنساني لتذليل كل العقبات التي تحول دون ممارسة الحرية الإنسانية على قاعدة الفهم العميق لطبيعة عمل سنن الله سبحانه في الاجتماع الإنساني. ومن هنا ومن خلال هذه المعادلة التي تربط الوجود الإنساني برمته بالحرية والإرادة والمسؤولية، فإن الكدح الإنساني سيتواصل، والشوق الإنساني إلى الحرية والسعادة سيستمر، والاحباطات والنزعات المضادة ستبقى موجودة وتعمل في حياة الإنسان. لذلك فإن الوجود الإنساني هو عبارة عن معركة مفتوحة بين الخير الذي ينشد الحرية والسعادة والطمأنينة القلبية، والشر الذي لا سبيل لاستمراره إلا البطر والطغيان والاستئثار.

ولكي ينتصر الإنسان في معركته الوجودية، هو بحاجة إلى الإيمان والعلم والتقوى، حتى يتمكن من هزيمة نوازعه الشريرة وإجهاض وتهذيب نزعات البطر والطغيان.

ولا يخفى أن شعور الإنسان بالأمن والطمأنينة في الحياة هو الشرط الضروري لكي يقدم على العمل والإنتاج والتعمير في الأرض. ففي مناخ الأمن النفسي تنمو القدرات الذهنية وتتجه نحو الإبداع، وتنشيط القدرات الإنجازية وتتضاعف فعاليتها ويزكو إنتاجها. فإنسانية الإنسان في جوهرها وعمقها مرهونة بحرية الإنسان. إذ ان الحرية هي شرط إنسانية الإنسان. وحينما يفقد هذا الشرط، يفقد الإنسان مضمونه وجوهره الحقيقي.

لذلك فإننا نرى أن احترام آدمية الإنسان، ومجابهة أي محاولة تستهدف انتهاك حقوقه الأساسية، هي الخطوة الأولى في مشروع تحقيق إنسانية الإنسان. فالإنسان بكرامته وحرماته وحقوقه، هو حجر الأساس في أي مشروع تنموي أو تقدمي. لذلك فنحن بحاجة دائماً إلى رفع شعار ومشروع صيانة حقوق الإنسان وكرامته بصرف النظر عن عرقه أو لونه أو قوميته أو ايدلوجيته.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

16