من الطبيعي جداً أن يرث الأبن من أبيه الأموال والعقارات، لكن من غير المقبول أن يرث منهُ المنصب أو المكانة السياسية، ليس المنصب الحكومي فقط بل حتى زعامة الحزب والنفوذ السياسي، مع العلم أن الحزب إذا كان قائماً على شخص معين أو عائلة معينة لا يصح أن يُطلق عليه أسم حزب، فقيادة الحزب لابد أن تكون متاحة أمام جميع أعضائه ويحق لهم الترشح لقيادته عن طريق انتخابات حرة ديمقراطية، وهذا ينطبق على جميع الأحزاب مهما اختلفت مسمياتها (حزب، حركة، تيار، تجمع، كتلة،... الخ).

إذن، متى تكون الوراثة السياسية مقبولة؟ ومتى لا تكون مقبولة؟

من المعروف أن الأنظمة الملكية قائمة على مبدأ الوراثة ولهذا فقد تأسست عائلات ملكية عريقة في بريطانيا، هولندا، تايلند، اليابان،... الخ، لكن في الجمهوريات، وخاصة الديمقراطية منها، فإن الطريق الحصري للوصول إلى السلطة هو الانتخابات، وعندها لا يستطيع أي رئيس أن يورث الحكم لأحد أفراد أسرته إلا اذا نجح بالانتخابات بشكل ديمقراطي مثلما حصل في أمريكيا (جورج بوش الأب والابن)، وفي كندا رئيس الوزراء الحالي (جاستن ترودو) هو ابن رئيس الوزراء الأسبق (بيير ترودو)، في كوريا الجنوبية (بارك غيون هي) هي ابنة الرئيس الأسبق (بارك تشونغ هي)، ومثل هذه النماذج طبيعية ومقبولة لأنها تأتي عن طريق ديمقراطي بحت.

وهناك طريقة ثانية مقبولة إلى حدٍ هي الطريقة الأسيوية القائمة على الديمقراطية لكن ضمن الإطار العائلي، ولعل أبرزها في سيرلانكا حيث خدمت السيدة (سيريمافو باندرانايكا) بمنصب رئيس الوزراء لمدة (18) سنة بعد اغتيال زوجها رئيس الوزراء (سولومون باندرانايكا) عام (1959) ثم أصبحت ابنتها (شاندريكا كماراتونغا) رئيسة للجمهورية واللطيف أنها عينت أمها بمنصب رئيس الوزراء، أما ابنها (أنورا باندرانايكا) فقد أصبح رئيساً للبرلمان.

وهناك مثال آخر هو السيدة (انديرا غاندي) التي تولت منصب رئيس وزراء الهند الذي تولاه قبلها والدها (جواهر لال نهرو) ثم تولى المنصب ابنها (راجيف غاندي)، والآن حفيدها (راهول غاندي) هو رئيس حزب المؤتمر الوطني.

وكذلك في باكستان فقد تولت السيدة (بنازير بوتو) منصب رئيس الوزراء وهي أبنه (ذو الفقار علي بوتو) الذي تولى منصبي رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، أما زوجها (آصف علي زرداري) فقد أصبح رئيساً للجمهورية ويشغل أبنها (بيلاوال بوتو زرداري) الآن منصب رئيس حزب الشعب.

لكن الوراثة غير المقبولة هي التي تتم بالقوة وبدون إرادة الشعب وتصويته، إذ يورث الرئيس الدكتاتور منصبه لابنه وكأنه ملك مطلق الصلاحيات، وقد بدأت هذه الحالة في جمهورية (هايتي) بعد وفاة الدكتاتور (فرانسوا دوفالييه) (1957-1971) فورثه ابنه (جان كلود دوفالييه) (1971-1986) رغم ان عمره (19) سنة فقط! ثم تكررت في دول عديدة.

لكن الحالة الأغرب هي في كوريا الشمالية التي حكمها (كيم إيل سونغ) لمدة (46) عاماً، ثم ورثه أبنه (كيم جونغ إيل) لمدة (17) عاماً، والآن يحكم الحفيد (كيم جونغ أون) منذ عام (2011)، ومبعث الغرابة أن الدولة تطبق النظرية الشيوعية والتي بدورها تحارب الوراثة أصلاً! صحيح أنها لا تؤمن بالديموقراطية على الطريقة الغربية لكنها على الأقل تعمل وفق انتخابات ولو شكلية داخل الحزب الشيوعي نفسه، لكن في كوريا استولت عائلة (كيم) على الحكم ويبدو أنها لن تسلمه! وكذلك في كوبا إذ ورث (راؤول كاسترو) حكم أخيه (فيديل كاسترو) بعد ان حكمها لمدة (49) سنة!

هذه الحالة منتشرة بكثرة في دول العالم الثالث وخاصة منطقة الشرق الأوسط ومن ضمنها العراق، وهي حالة ملفتة للنظر وتحتاج إلى دراسات كثيرة لا يستوعبها هذا المقال القصير.

Aldhamat1@yahoo.com

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2