يجب على النظرية العلمية:

1- ان تقدم توضيحا متماسك منطقيا

2- ان تكون مدعومة بالدليل

3- ان تكون مفيدة

اذا كنت تؤمن بان واحدة من الصفات الثلاث اعلاه هي خاصية معرّفة للعلم فأنت بالتعبير الفلسفي اما

1- واقعي او 2- تجريبي او 3- برجماتي.

واذا صادف ان تكون عالِما فمن المحتمل ان يكون اهتمامك الرئيسي اما

1- نظري 2- او تجريبي 3- او ذرائعي (اداتي). وبشكل عام انت ربما تحب فقط

1- ان تكون لديك فكرة عن الكيفية التي يعمل بها الشيء او

2- اكتشاف كيفية عمل الشيء او

3- فقط لتجعله يعمل.

عندما يقوم فلاسفة العلوم بتأدية عملهم فان الشيء الاساسي الذي يأخذونه بالاعتبار هو أي مزيج من العناصر أعلاه يجعل الفعالية علمية. الموضوع ليس شديد الصعوبة، هناك فقط ثلاثة متغيرات. بدلا من التفكير بعبارات من الافكار المطلقة، يمكن بسهولة تقليد العديد من فلاسفة العلوم والنظر الى امثلة من التاريخ. قصة الجاذبية هي مثال مفيد عن تطور الفهم العلمي لأنها شيء نلمسه جميعا، يستلزم العلم بها جميع النقاط اعلاه مع انها لاتزال اسطورة.

هناك قصة بسيطة عن الكيفية التي تطورت بها الافكار حول الجاذبية حتى القرن العشرين بدءا من ارسطو مرورا بغاليلو ونيوتن حتى اينشتاين وذلك عبر مسار بدأ في التوضيح ثم البرهنة ثم على شكل معادلات مفيدة.

ارسطو (384-322 ق.م)

اذا كانت مدة الاستخدام هي المقياس لصلاحية النظرية فان نظرية الجاذبية الاكثر نجاحا هي تلك التي عرض ارسطو توضيحا لها. واحدة من بين تلك الافكار ترتكز على سلوك العناصر الاربعة اليونانية وهي الارض والماء والهواء والنار(اضاف ارسطو عنصرا خامسا وهو الاثير).

جميعنا نعرف ان الاحجار تغطس في الماء وان فقاعات الهواء تصعد الى السطح، والدخان يقفز الى الاعلى، لأننا شاهدنا الدليل على ذلك. ارسطو اوضح بان طبيعة مختلف العناصر تبحث عن مكانها الطبيعي: الارض والماء يتحركان نزولا، الهواء والنار يتحركان صعودا. بكلمة اخرى، هناك شيء ما حول العناصر يجعلها تتحرك بالطريقة التي تقوم بها. ولكن هل تسميتها "طبيعة" يجعلها علما؟

ارسطو ذهب ليطرح ادّعاءا كميا بدائيا: المزيد من الطبيعة المعينة التي يحتوي عليها الشيء(مصنوع من المزيد من الارض والهواء) يعني الأسرع او الأبطأ في السقوط. بكلمة اخرى، ان سرعة السقوط هي تناسبية مع الكتلة. هذه فرضية يمكن قياسها بسهولة ومن المفيد معرفة ان كانت صحيحة. لذا هل ذلك يجعلها علما؟ ارسطو لم يختبر الفكرة ابدا.

ما اعتقد به ارسطو حقيقة وبشكل ادق هو ان العناصر الارضية تتحرك نحو او بعيدا عن مركز الكون، وان الارض تكون في الوسط. طالما ان الارض وصلت سلفا الى مكانها المقصود فان ارسطو يجادل بان الارض لم تكن تتحرك. دليله على هذا الادّعاء هو انت عندما ترمي صخرة فهي تسقط عند قدميك. اذا كانت الارض تتحرك كان يجب للصخرة ان تسقط بعيدا عنك لأن الارض تكون قد تحركت اثناء الوقت الذي استغرقته الصخرة في السقوط. توضيحه لماذا الشمس والقمر والكواكب والنجوم تتحرك حول الارض هو لأنها وُضعت في سلسلة من الافلاك متحدة المركز تدور حول محور يمر عبر النجم القطبي. الافلاك صُنعت من الاثير وهو العنصر الخامس وهو يختلف عن العناصر الاخرى في كونه يتحرك دائريا. وهكذا يوضح ارسطو ان هناك فقط نوعان من الحركة الاساسية هما الخطية والدائرية. كل حركة يمكن وصفها كمجموعة مركبة من هذين الاثنين، وبما ان الارض والماء والهواء والنار كلها تتحرك بخطوط مستقيمة، فيجب ان يكون هناك عنصر يتحرك دائريا.

ان الاسس المعتمدة اعلاه هي ضعيفة، ولكن لو قبلنا بها فهي توضيحات منسجمة منطقيا. بطليموس قام بتطوير نموذج ارسطو الى وصف رياضي نجح في التنبؤ بمواقع الاجرام السماوية. لذا نال الدعم بالدليل واذا كانت مواقع النجوم هامة لأغراض الملاحة او الاحتفالات الدينية، فسيكون النموذج مفيد ايضا.

الان نحن ندرك عمليا ان كل ما قاله ارسطو حول الجاذبية هو غير صحيح، لكن توضيحاته ككل بقيت ذات معنى كبير واستمرت تقاوم التحديات طوال الفي سنة. في القرن اللاحق لارسطو، جادل الفلكي اليوناني اريستارشوس بان الشمس وليس الارض هي مركز الكون، لكن هذه الفكرة لم تُراجع بالكامل حتى مجيء كوبرنيكوس في القرن السادس عشر الميلادي. وبهذا النصر جرى ايضا تجاهل توضيحات ارسطو في الجاذبية. اذا كانت الارض تتحرك، وهي ليست في المركز، عندئذ فان توضيحات ارسطو لسبب سقوط الاحجار نزولا، او لماذا تسقط اساسا، يجب ان تكون خاطئة ولابد من توضيح جديد.

بعد وفاة كوبرنيكوس انتقلت مسؤولية نشر كتابه (حول ثورات الاجرام السماوية، 1543) الى اندريه اوساندر Andreas osiander.اوساندر اضاف مقدمة جادل فيها ان مختلف التوضيحات يمكن ان تنال الدعم من نفس الدليل. لا يهم ما اذا كان الناس يختارون التوضيحات الاكثر اقناعا لهم او التي يجدونها اكثر فائدة للعمل بها. وكما ذكر اوساندر "اذا كانت التوضيحات توفر حسابات منسجمة مع الملاحظات، ذلك وحده يكفي". ورغم ان رياضيات كوبرنيكوس لم تكن كتلك التي طورها بطليموس لكن قسما منها كان يسهل العمل بها. لذا فان بعض الرياضيين والفلكيين تبنّوا نموذج كوبرنيكوس، ليس بسبب ايمانهم بتوضيح مركزية الشمس وانما بسبب انه كان مفيدا.

غاليلو (1564-1632)

هناك صورة رمزية وُضعت على برج بيزا بايطاليا في بداية القرن السابع عشر يظهر فيها غاليلو على قمة برج مائل، يرمي كرات حديدية مختلفة الاحجام لكي يثبت انها تسقط في نفس السرعة.

عدد قليل من المؤرخين اعتقد حقا ان غاليلو قام بتلك التجربة. غاليلو كان حائرا بالنتائج المربكة لإيمان ارسطو ان الاشياء الثقيلة تسقط اسرع من الاشياء الخفيفة. ماذا يحدث لو ان الشيء الثقيل والشيء الخفيف رُبطا مع بعضهما؟ من جهة، طبقا لفلسفة ارسطو، الوزن الاثقل سوف يسقط اسرع، وطالما الاخف وزنا سوف يمسك الاثقل نحو الاعلى، فان الحزمة سوف تُسحب بإحكام، وان السرعة الكلية للسقوط يجب ان تكون شيء ما بين سرعة الوزنين على انفراد. من جهة اخرى، طالما الوزنان متحدان، فهما والحزمة شيء واحد مع وزن مركب، لذا فان السرعة المركبة يجب ان تكون اسرع من السرعة الانفرادية. هاتان المحصلتان لا يمكن ان تكونا كلتاهما صحيحتان. رغم ان غاليلو ربما رمى او لم يرم اوزانا من البرج، هو بالفعل قام بهذا وسجل الكثير من التجارب لرمي مختلف الاوزان نحو الاسفل والتي تتعارض نتائجها بشكل قاطع مع ادّعاء ارسطو في ان الاكثر وزنا يساوي اكثر سرعة.

ان ملاحظات غاليلو التي استخدم بها التلسكوب لا تستبعد امكانية ان تكون الارض في المركز، لكنها بالفعل كشفت بوضوح ان الكون ليس كما وصفه ارسطو. اكتشاف غاليلو لأقمار المشتري، مثلا، اظهر ان ليس كل شيء يدور حول الارض.

نيوتن (1643-1727)

في 28 نوفمبر 1660 اعلنت مجموعة من الفلاسفة الطبيعيين في لندن عن تكوين "كلية لدعم التعليم الفيزيورياضي التجريبي". عندما سمع الملك شارلس الثاني بالخطة أعطى موافقته، وخلال سنتين صدر مرسوم بتأسيس الجمعية الملكية في لندن. شعار الجمعية كان "لا تأخذ بكلمات اي شخص"(1). في عام 1660 كانت عبارة "اي شخص" تعني ارسطو.

في عام 1687 نشرت الجمعية الملكية (المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية) لأحد زملائها وهو اسحق نيوتن. في هذا الكتاب وصف نيوتن قانونه في الجاذبية الكونية. قصة سقوط التفاحة على رأس نيوتن لها نفس المصداقية التاريخية لسقوط كرات غاليلو من فوق برج بيزا. مع ذلك، ادرك نيوتن ان سبب سقوط الاحجار على الارض هو نفس سبب دوران القمر حول الكواكب، ونفس سبب دوران الكواكب حول الشمس. بكلمة اخرى، لاتوجد هناك قوتان بل قوة واحدة وهي قوة الجاذبية. الفيزيائيون يحبون البساطة، وهم عمليا يحبون القوى الموحدة. نيوتن اظهر انه بدلا من ان طبيعة الارض تتحرك باتجاه المركز والهواء يتحرك بعيدا، فان كل جسيم في الكون ينجذب الى الاخر. وبهذا يمكننا نسيان افلاك الاثير.

ورغم ان نيوتن وآخرين اعترفوا بان هناك حاجة الى مزيد من الدليل لتأكيد قانونه، لكن مع تقدم الزمن اصبح واضحا انه كان ناجحا جدا في حساب مواقع الكواكب التي لم يُعرف منها في السابق سوى ستة. وبعد قرن، في عام 1781 اعترف وليم هيرشل William Herschel ان نقطة الضوء التي اخطأ الفلكيون القدماء في اعتبارها نجما كانت كوكبا اسماه اورانوس. وفي عام 1845 حينما اكمل اورانوس معظم مداره كان واضحا انه لم يتصرف كما افترض قانون نيوتن. الرياضيون في باريس وكامبردج بدأوا بحساب الكتلة وموقع جسم اخر قد يكون مسؤولا عن ذلك الانحراف.

(جوهان غل) حدد كوكب نبتون الذي كما في اورانوس جرى اعتباره في السابق نجما. لذا فان فكرة نيوتن عن قوة الجاذبية اوضحت حركة الكواكب، انها نالت الدعم بمزيد من الدليل وانها طُبقت بنجاح في اكتشاف كوكب جديد. ولكن هل القول "هناك قوة" يختلف عن القول "هناك طبيعة؟."قبل ان يجف الحبر من كتاب (المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية) حتى بدأ الناس يشكون من ان نيوتن أدخل قوة بدون آلية: لأنه مع كل القوة التوضيحية لفكرة "قوة الجاذبية"، لم يكن هناك توضيح لكيفية عمل الجاذبية. معظم التحدي جاء من أتباع ديكارت (1596-1650). حيث كان ديكارت ايضا مهتما في حركة الكواكب لكن اهتمامه الرئيسي كان اعطاء توضيح للمدارات. هو قام بهذا عبر تشجيع فكرة الـ vortices او الدوامات التي طبقا لها يكون الفضاء مركب من مواد غازية صغيرة جدا تتحرك كالسائل. هذه تحوم حول الشمس بطريقة تشبه انجذاب الماء نحو ثقب صغير، وانها بدورانها تسحب الكواكب معها. في عام 1713 عندما نشر نيوتن الطبعة الثانية من مبادئ الفلسفة الطبيعية، هو شعر مجبرا ليضيف مقالة سميت "تعليق عام"فيه تحدى مباشرة فكرة الدوامات. اشار نيوتن الى ان مدارات المذنبات هي ايضا شاذة ولاتنسجم مع النموذج: "ولذلك فان الفضاءات السماوية التي من خلالها تتحرك الكواكب والمذنبات حرة وباستمرار وفي جميع الاتجاهات وبدون انخفاض ملحوظ في الحركة، هي خالية من اي سائل مادي".

نيوتن تجاهل توضيح ديكارت حول عمل الجاذبية، وارفق مقطعا ذكر فيه "انه لا يضع فرضيات" "انا لا اعمل فرضيات". هو كتب: " ولكن حتى الان انا لم اكن قادرا على اكتشاف سبب هذه الخواص للجاذبية من ملاحظتي للظاهرة، وانا لا اعمل فرضيات. لانه كل ما لايُستنتج من الظاهرة يسمى فرضية، والفرضية سواء كانت ميتافيزيقية او مادية، سواء كانت ذات خواص اسطورية او ميكانيكية، ليس لها مكان في الفلسفة التجريبية". يرى نيوتن ان التوضيحات حول كيفية عمل شيء ما ليس بالضرورة ان تكون علما، طالما النموذج الرياضي يعطينا القوة لرسم وتنبؤ واستغلال بيئتنا، فان مهمة الفيزياء تكون قد تمت. وكما يستنتج المقطع: "بالنسبة لنا ذلك يكفي، ان الجاذبية توجد حقا، وتعمل طبقا للقوانين التي اوضحناها وهي مسؤولة عن كل حركات الاجسام السماوية". التوضيح لكيفية عملها ليس هاما للعلم. وكما يذكر اوساندر، ما يهم هو هل تستطيع استعمال النظرية؟ نيوتن كان بامكانه ان يسمي بسهولة قوة الجاذبية بـ "طبيعة"الجاذبية. الفرق الحقيقي بين "طبيعة" ارسطو و "قوة" نيوتن هي ليست في التوضيح:هي في النوعية وفي فائدة الرياضيات ووفرة الدليل عليها. ولكن اذا كانت الصحة هي معيار العلوم عندئذ سوف نهمل نيوتن بالاضافة الى ارسطو.

اينشتاين (1879-1955)

لم يكن اورانوس الكوكب الوحيد الذي خرق قوانين نيوتن في الحركة. في الحقيقة كان Leverrier في اكتشافة لنبتون كان يعمل ومنذ عام 1840 لفهم اسباب حالات الشذوذ في كوكب عطارد.عندما جرى اختبار لتنبؤاته بملاحظة حركة عطارد في مواجهة الشمس في عام 1843 وجد انها غير متطابقة ولكن مع النجاحات في اكتشاف نبتون، عاد Leverrier الى المشكلة مرة اخرى بهدف حساب الكتلة وموقع كوكب آخر قرب عطارد يمكنه توضيح السلوك غير المنتظم لعطارد. هو كان شديد الثقة لدرجة اعطى الكوكب اسم فولكان او اله النار. الفلكيون بدأوا يبحثون عن اله النار. البعض ادّعىوا انهم عثروا عليه: ولكن مع الفحص الدقيق ثبت ان كل الادعاءات لا اساس لها. لا وجود لاله النار.

توضيحات نيوتن لم يدعمها الدليل. لابد من وجود شيء آخر هو الذي يسبب الخلل في الحساب.هناك ايضا قصة اخرى، تتعلق بالكيفية التي اكتشف بها اينشتاين النسبية. في عام 1865 نشرت الجمعية الملكية نظرية ماكسويل (النظرية الديناميكية لحقل الكهرومغناطيسية). معادلات ماكسويل الانيقة وصفت الكهرومغناطيسية كموجات تسافر في الفضاء بسرعة الضوء. لكن الموجة، كقاعدة، تحتاج الى وسيط، الموجة في المحيط ليست موجة اذا لم يوجد هناك محيط.ومقابل نصيحة نيوتن، كان ماكسويل مستعدا لعرض توضيح: ان "الضوء والمغناطيسية هما تاثيرات لنفس المادة، وان الضوء هو اضطراب الكترومغناطيسي انتشر طبقا لقوانين الالكترومغناطيسية". المادة الافتراضية التي من خلالها تنتشر الموجات الضوئية – توضيح السلوك الملاحظ – اصبح يعرف بـ "الاثير ناقل الضوء". على خلاف وسيط الجسيمات الدائرية التي اقترحها ديكارت، هذه يُعتقد انها ثابتة، وشيء تتحرك من خلاله الارض وجميع الاجسام السماوية: اكثر شبها بالضباب منه الى الدوامات.

ومع افتراض ثبات سرعة الضوء خلال الاثير، وافتراض ان الارض تتحرك من خلال الاثير فان سرعة الضوء المقاسة هنا يجب ان تتغير اعتمادا على ما اذا كانت تتحرك في نفس الاتجاه كما على الارض او عمودية لها. في عام 1887 اثنان من الفيزيائيين الامريكيين وهما البرت ميشلسن و ادوارد مورلي صمما تجربة حسية لمقارنة الوقت الذي يقطعه الضوء خلال مسارين متساويين بزوايا قائمة لكل منهما. هما توقعا ان يكونا قادرين على اثبات وجود الاثير وحساب سرعة واتجاه حركة الارض خلاله. هما وجدا ان لا فرق في الوقت الذي يقطعه الضوء الى المسارين. ذلك يعني اما الارض ثابتة – وهو شيء غير صحيح، او ان سرعة الضوء للمراقب على الارض هي ذاتها بصرف النظر عن حركة الارض.

الفيزيائيون طرحوا توضيحا للكيفية التي يتسبب فيها الاثير- ناقل الضوء بمثل هذه النتائج المربكة. وفي عام 1905 وضع اينشتاين نظريته في النسبية. هو تخلى عن الاثير الناقل للضوء لصالح الفضاء الفارغ وعرض وصفا رياضيا يتطابق تماما مع الدليل: ان سرعة الضوء هي ذاتها لجميع المراقبين.

غير ان اينشتاين آمن برؤية مختلفة عن الفضاء عندما نشر النظرية العامة للنسبية عام 1915. النسبية العامة توضح الجاذبية بتصور انه بدلا من ان يكون الفضاء مجرد فراغ فهو وسيط ينحني بوجود الكتلة. اينشتاين لا يقدم فرضية لكيفية حدوث انحناء الكتلة للزمكان اكثر مما قدم نيوتن حول كيفية عمل الجاذبية. "انحناء الزمكان" هو توضيح للجاذبية بدون توضيح. ولكن مرة اخرى ذلك لا يهم لكي تكون النظرية مفيدة. وكما اوضح الدليل حالا، المعادلات التي استنتجها اينشتاين هي اكثر دقة في التنبؤ بحركة الكواكب قياسا بقوانين نيوتن.

فلسفة العلوم في القرن العشرين

في عام 1919 وبعد الكسوف الشمسي الكلي قام الفلكيون البريطانيون بتجربة ثبت فيها ان الضوء القادم من النجوم ينحني بفعل جاذبية الشمس وهو ما يؤكد صحة النظرية النسبية.في نفس الوقت كان كارل بوبر يحاضر في جامعة فيينا وكان قد تأثر كثيرا بالتنبؤات التي طرحتها النظرية النسبية. انها كانت تنبؤات جريئة لأنها اذا لم يدعمها الدليل فالنظرية ستكون خاطئة. بوبر قرر ان هذه هي السمة المعرّفة للعلم: النظرية تُعتبر علمية فقط اذا أمكن من حيث المبدأ إظهار انها كاذبة. طبقا لهذه الرؤية فان ادّعاء ارسطو بان سرعة السقوط الحر التناسبية مع الكتلة سيكون ادّعاءاً علمياً، لأن تجربة بسيطة واحدة يمكن ان تقرر ان كان ذلك صحيحا ام خاطئا. غاليلو أظهر ان ذلك ليس صحيحا. ولكن طبقا لبوبر انه لايزال ادّعاءاً علميا، لأن الادّعاء الصحيح ليس سمة معرّفة للنظرية العلمية.

عندما كان بوبر يطور نظريته في التكذيب، كان العلماء سلفا يشيرون الى ان ذلك ليس ما يعملون به. البايولوجي Ludwik Fleck أدخل فكرة "الفكرة الجمعية" – مجموعة من العلماء يشاركون بنفس النظرية والتطبيق، وفي نفس الطريقة العلمية ويتعاونون لتطوير ذلك البحث الى اقصى حدوده الممكنة. البروفيسور ميخائيل بولوني في الكيمياء عرض نقطة مشابهة. العلم حسب تجربته ليس طريقة موضوعية منفردة يمكن ببساطة تقديمها كوصفة واتّباعها، بل ان العلماء يضعون قيد التطبيق الفلسفة والطرق التي تعلّموها من العلماء الآخرين. اساسا، حالما يبدأ العلماء في التفكير الجماعي فهم يساهمون في ذلك المشترك.

الفيزيائي ماكس بلانك يشبه اينشتاين فهو لم يقبل بالكامل تفسيرات ميكانيكا الكوانتم للعلماء الشباب، بل لاحظ ان "الحقائق العلمية الجديدة لا تنتصر بإقناع خصومها لأن خصومها بالنهاية يموتون ويظهر جيل جديد اكثر اطلاعا على تلك الحقائق". لذا فان البايولوجيين والكيميائيين والفيزيائيين البارزين كلهم يقولون في تجربتهم المهنية ان العلم لا يعمل مثلما يعتقد الفلاسفة كبوبر، ولا توجد هناك طريقة علمية واحدة، هناك العديد من الطرق. وفي عام 1962 نشر توماس كن Thomas Kuhn (1922-1996) كتابه (تركيب الثورات العلمية) الذي جعل الناس ينتبهون للاعتقاد المتزايد بان العلم هو ليس المشروع الاصلي المنفرد الذي حاول وصفه الفلاسفة.

(تركيب تقدّم العلوم) الذي اشير اليه في كتاب (كن) له ثلاثة اجزاء. هناك فترة "ما قبل العلوم" فيها توجد بعض الخصائص في العالم ليس لها توضيحات علمية. الناس يتأملون ويقدمون مقترحات حتى يأتي مقترح يرى عدد كافي من العلماء انه يستحق بذل الوقت والموارد للبحث فيه. بدلا من تحطيم الفكرة، كما يرى بوبر، اذا كانت التجربة المصممة وفق هذا التوضيح تنتج نتائج تطابق النظرية، عندئذ سيتعاون العلماء لتعزيز النموذج الجديد Paradigm (النموذج هو النوع الشمولي للتوضيح المستخدم). اذا كان النموذج جيدا فهذه ستكون فترة بنّائة لانها تعطي العلماء اطارا مفاهيميا لإستكشاف القدرة على اثارة اسئلة لن تحدث خارج النموذج. حل اللغز هذا ضمن النموذج يسميه كن "العلم الطبيعي". ولكن مهما كان النموذج جيدا فنحن لا نعرف ابدا بان اكتشافا جديدا سوف لن يلقي به في عالم النسيان. ذلك حدث لنموذج ارسطو في الطبيعة، وحدث لنيوتن، لا عالِم يضمن ان ذلك لا يحدث مع نماذجنا الحالية. عندما يحدث ذلك فالشيء المحتمل اولاً ان يحصل بعض الترقيع لحماية النموذج القديم من خلال دراسة تاريخ العلوم كما يرى كن. ولكن مع تراكم الشذوذ الذي سيُغرق النموذج القائم في أزمة، فان نموذج جديد سيكون مطلوبا لتوضيح كل شيء في النموذج القديم اضافة الى اشياء اخرى لم يستطع توضيحها، تماما مثلما اوضحت النظرية النسبية سلوك معين لم توضحه جاذبية نيوتن.

Paul feyerabend (1924-1994) كان من بين اربعة اشخاص شكرهم (كن) في مقدمة كتابه تركيب الثورات العلمية. paul رفض ان يكون مساعد باحث لبوبر. هو بدأ عمله كفيزيائي وكان مؤهلا لإصدار مثل ذلك الحكم. مثلما يوضح تاريخ الجاذبية، ان التوضيح، البرهنة، الفائدة جميعها لعبت دورا حاسما في العلوم. paul كان قلقا من ان أي طريقة علمية اختزالية كطريقة بوبر سوف تستبعد جزءا من ذلك التاريخ. لا أحد يحب ان يقال له ما يفكر او يعمل، والعلماء ليسو استثناءا. بدلا من ذلك، اعتقد paul ان الوصفة الوحيدة للعلوم التي يمكنها استيعاب كل عثرة وقفزة هي الفوضى الابستيمولوجية(2). هو آمن بان المعيار الأكثر اهمية للنظرية هي ان تكون مفيدة. يقول paul "استمعت الى موعظة الفوضوي البروفيسور (وغنر) قائلا: "بالتأكيد انت لم تقرأ كل المخطوطات التي يرسلها الناس لك، انت يجب ان تلقي اكثرها في سلة النفايات". يؤكد paul انه فعلا يقوم بذلك، انه لايقرأ كل الاوراق المكتوبة، انا أعمل اختياري بطريقة فردية جدا وتفضيلية لأني لا يمكنني ازعاج نفسي بقراءة ما لا يهمني وان اهتماماتي تتغير من اسبوع الى آخر ومن يوم الى آخر لأني مقتنع ان الانسانية والعلم سيستفيد من الأعمال الخاصة لكل فرد "(ضد الطريقة، 1975). مهما يعتقد المرء انه يجب او لا يجب ان يكون مؤهلا للعلوم، الحقيقة هي ان العلوم تتم من جانب الناس. بعض منهم عقلاني، والبعض الآخر تجريبي، بينما آخرون برجماتيون.لايهم مهما كانت القواعد المفروضة فان الناس سيخرقونها.

...............................................
الهوامش
(1) كان شعار الجمعية Nullius In Verba ويعني لا حجة بدون دليل، وهو تعبير عن تصميم أعضاء الجمعية على الصمود ومقاومة اي هيمنة من اي سلطة وتأكيد الادّعاءات باللجوء فقط الى الحقائق التي تقررها التجربة.
(2) الفوضوية الابستيمولوجية Epistemological anarchism هي نظرية ابستمية طورها الفيلسوف النمساوي Paul Feyerabend الذي اعتقد بعدم وجود قواعد منهجية مفيدة تحكم تقدم العلوم او نمو المعرفة. هو يرى ان فكرة وجود قواعد ثابتة وعالمية للعلم هي فكرة غير واقعية وخبيثة وضارة للعلم نفسه. ان استعمال مصطلح فوضوية يعكس التعددية المنهجية للنظرية، لأن الطريقة العلمية المزعومة لاتمتلك الحق في احتكار الحقيقة او اي نتائج مفيدة. هو ذكر بما انه لا توجد طريقة علمية ثابتة فمن الأحسن اعتماد مبدأ "كل شيء مباح" في الطرق المنهجية. هذا المبدأ هو الوحيد الذي يمكن الدفاع عنه تحت اي ظروف وفي جميع مراحل التطور الانساني.هو شعر ان العلم بدأ كحركة تحررية ولكن بمرور الزمن اصبح دوغمائيا وجامدا. وعلى الرغم من نجاحات العلم فهو بدأ يكتسب سمات قمعية واصبح من غير الممكن بهذه الطريقة الغامضة المقارنة بين العلم والدين او بين العلم والميثولوجي.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5