ظلت العلاقة متأزمة على كافة الأصعدة بين الولايات المتحدة الأميركية والشعوب العربية، وظلت متذبذبة وفاقدة الإرادة على صعيد سياسات الدول العربية وتخطت حالات التأزم من التاريخي والسياسي الى النفسي في الواقع العربي، وتشابكت النظرة العربية السياسية الاجتماعية والفردية تجاه أميركا بين الكراهية المستديمة ورغبة المصالحة الاكراهية، وبذلك يظل فعل "كره" بجانبه النفسي وسلوكه الاضطراري حاسما في العلاقة بين الانسان العربي وتلك الدولة الكبرى التي امسكت بالقرار السياسي العربي ومن خلالها امسكت بمصير الانسان العربي.

وفعل الكراهية هذا نشأ في مناخات ثنائية تقسيمية قسمت العالم بالنسبة الينا واليهم في اشكالية الغرب والاسلام، ورغم بلادة تلك الثنائية من ناحية معايير التقسيم المتبعة في التصنيف العلمي والمعرفي إلا انه في السياسي انخرطت تلك الثنائية والتصنيف المتبع فيها في توظيف ما تثيره السياسة من مناكفات واستفزازات واعتقادات بكراهية متبادلة بين الاسلام والغرب، وفي قصدية استبطانها تلك المواجهة التاريخية تكمن محاولات استدامتها بين حضارتين وثقافتين اشتبكتا في ترسيم الحدود بينهما في محاولات التوسع على حساب الأخر للاستيلاء على المركز في العالم.

فحضارة اوربا حضارة عالمية أو هي عالم اليوم كما يروج لها المخططين الاستراتيجيين والمنظرين الثقافيين لفكرة العصر الحديث أو العالم الحديث، وهي تستبطن محاولات الهيمنة وفق تأسيسات التبرير هذه وتقف على الضد منها في هذا المنحى حضارة الاسلام كونها تنطلق من ذات الادعاء في عالمية الحضارة الاسلامية تاريخيا التي اشتملت على نصف العالم تقريبا وتنبعث أو انبعثت فكرة عالمية الحضارة الاسلامية عن عالمية الدين الذي انطلقت منه أو تأسست وفق قواعده وأحكامه، وقد وجد هذا التبرير مكانا ايديولوجيا في افق التفكير الاسلامي السياسي الحديث مما أتاح مجالا خاصا للصراع بين تلك الحضارتين قديما حين كانت أوربا مسيحية وحديثا حين صارت أوربا علمانية.

وقد شغلت الحدود بينهما كل تلك الصراعات في تاريخ العالم الوسيط من أجل الهيمنة على مركز العالم وكلاهما يحتل أطراف هذا المركز الواقع في نقطة التقائهما، وتحركهما رغبة الانفراد بالسيطرة على هذا المركز الذي يمهد الى السيطرة على العالم كهاجس يتملك الرغبة القابعة في ايديولوجيا كلا الحضارتين.

ولذلك فالتاريخ السياسي البشري الوسيط والحديث كله عبارة عن الصراع بين هاتين الحضارتين وحين يهدأ هذا الصراع لأسباب خارجة عن إرادة كلا الحضارتين وينتقل الى الاجزاء الداخلية في كلا الحضارتين فأنه يعود مجددا الى صراعه التاريخي والتقليدي بين الشرق/الإسلام، والغرب/المسيحي/العلماني.

وهكذا تُسوق جدلية الصراع بين تلك الحضارتين في ثنائية ملتبسة وغامضة تميل الى التخصيص في جانب الشرق بالإسلام وتميل الى التعميم في جانب الغرب بكل أديانه وثقافاته وأفكاره، وتبقى جدلية التخصيص والتعميم يمارسها الغرب بتأثير موقعه الاستثنائي في الهيمنة والقوة وبالتالي فأن التعميم محاولة في وضع الاسلام بإزاء المواجهة مع الحضارة العالمية التي تم أو يتم تعميمها بالحضارة الأوربية.

واذا كان موضوع الصراع هو التنافس من أجل الهيمنة على مركز العالم في المال هو ما تطمح اليه حضارة الغرب، أو في الثقافة وهو ما تطمح اليه حضارة الاسلام التي بدت ضدا نوعيا للعلمنة الثقافية الأوربية، فإن مادة الصراع بين تلك الحضارتين هي الكراهية التي يسعى الأصوليون المتضادون في كلا الحضارتين الى نشرها والترويج لها لغرض التمهيد الى اجتثاث الحضارة الأخرى والمضاد النوعي لها والفوز برهان الهيمنة على مركزي العالم الحديث المال والثقافة.

واذا كان موضوع الصراع يتأسس في هذا المجال تاريخيا وثقافيا فإن مادة الكراهية تتأسس في الجانب التوظيفي لها وفق سياقات الصراع والتنافس من أجل الهيمنة التي تسعى الى اجتثاث الأخر حضاريا وثقافيا بعد أن ادركت صعوبة اجتثاثه جسديا وسياسيا، وهو ما تبنته الولايات المتحدة الأميركية بعد ان هيمنت على موقع قيادة وتمثيل الغرب بعد إزاحتها أوربا عن هذا الموقع وتحقيق نبوءة احد آباء أميركا المؤسسين ولعله جفرسون حين قال أن أوربا ستكون قزما الى جوار أميركا، وفي موقعها الغربي والدولي هذا تبنت أميركا مقولة صدام الحضارات ومقولة نهاية التاريخ للتعبير عن توظيف فعل الكراهية في الاجتثاث الحضاري والثقافي للآخر.

وفعل الكراهية في عملية الاجتثاث هذه تدركه الولايات المتحدة الاميركية وتعمل على توظيفه كأداة استراتيجية في مخطط الهيمنة الذي تسعى اليه وتعمل على انجازه باعتبارها القوة العظمى الوحيدة عسكريا واقتصاديا وتطرح نفسها قائدة للعالم الحر على نحو متميز وسيدة السوق الحرة على نحو غير مسبوق.

وقد صرح ترامب في احدى مقابلاته التلفزيونية بإيمانه بكراهية الاسلام لأميركا وفق قوله للتعبير عن التوظيف الاميركي المتعمد لمادة الكراهية في الصراع الحضاري بين الغرب الليبرالي/حالة أميركا، والشرق الاسلام /حالة الدين والمجتمعات العربية، وهو بذلك لا يميز بين الاسلام كدين ونص مقدس وبين المسلمين كأفراد ومجتمعات خاضعين الى الشرط التاريخي والاجتماعي امعانا منه في نسبة الكراهية الى الدين والى العقيدة، وهي تدخل في مسعى استدامة الصراع الحضاري بواسطة استدامة الكراهية بين شعوب هاتين الحضارتين، أو ما ينتج عنه من استدامة الاعتقاد بهذه الكراهية غير الخاضعة الى المتغير الثقافي والاجتماعي وفق ما تنتجه طبيعة الكراهية الدينية "من أنهم يكرهوننا" وهي مقولة الخصم/الآخر دينيا وثقافيا وهو ما يؤدي بالتالي الى تأبيد الصراع كحالة ثقافية تستمد وجودها ومقومها من مادة الكراهية.

وتتأسس على هذا الموقف النظرية الأميركية اليمينية والشعبوية والتي باتت تقليدية اعتمادا على ما سلف في المطابقة و المماهاة بين العرب والاسلام، وبالمحصلة فان العرب هم من يبادر الى الكراهية في التعامل النفسي والثقافي مع أميركا وفق هذه التقليدية الأميركية "لأن الاسلام يكرهنا" وهي تشكل جوهر الرؤية اليمينية الدينية / المسيحية والقومية / العرقية الأميركية والتي باشرت بالهيمنة الثقافية والاعلامية على الفضاء الأميركي العام والخاص ضمن الصعود الخطير لليمينية والشعبوية في أوربا وأميركا الشمالية والجنوبية لتضع العالم مجددا على حافة المواجهة وفق ثنائية الشرق والغرب بعد صعود التيار اليميني والأصولي في الشرق لكن هذه المرة الغرب / المسيحي والشرق / الاسلامي.

وقد بدأت الصحوة اليمينية والأصولية المسيحية بالظهور في الولايات المتحدة الأميركية منذ انهيار المعسكر الشرقي وإزاحة الاتحاد السوفيتي عن المواجهة السياسية والاقتصادية والاعلامية وخلاص الأمة الأميركية من العدو الأحمر كما كانت تروج له وتوظفه الاستراتيجية الأميركية في التعبئة الداخلية ووفق المبدأ الذي تؤسس له هذه الاستراتيجية بإدارة العلاقات الخارجية بأن " هناك عدوا يتربص بنا "

وكان العدو العربي والاسلامي والصيني هو الشاغل للفراغ الذي تسبب عنه غياب أو تغييب العدو الأحمر وتحوله الى جزء قانم في ذاكرة أميركا وحدث مهول بالأسطورة في تاريخها السياسي، وهي تحرص دائما على التذكير به وعدم محوه من الذاكرة الأميركية، وهو ما يفسر تلك المجموعة المستمرة والمتكررة من الأفلام التي تنتجها هوليود وهي تصور الخطر التجسسي والنووي والسلوك العصابي والعصاباتي السوفيتي عن طريق التركيز في هذه الافلام على الجريمة المنظمة التي يقوم بها بقايا ضباط الكي جي بي والمتقاعدين العسكريين الروس الذين امتهنوا تجارة الموت الأحمر وتهريب اسلحة الدمار الشامل والرؤوس النووية المسروقة والمهربة من الترسانة النووية السوفيتية.

واذا كان هذا دأب الفن السينمائي الأميركي والمهمة الامبريالية التي تنجزها هوليود في التجييش العاطفي والحشد الترويضي للأمة الأميركية بإزاء قياداتها من الامبرياليين والمؤسسات الفدرالية في الدولة الأميركية، فان ما تقوم به السياسة الداخلية الأميركية وبعد صعود ترامب هو تجييش وبعث مشاعر الكراهية من خلال تنميط الصورة التقليدية عن الأخر المختلف دينيا وعرقيا ومن ثم ثقافيا وتحويلها الى هاجس من القلق يؤرق الذات الاميركية في الخشية على المستقبل الأميركي من امتدادات وامكانات هذا الأخر، لا سيما بعد أزمة الهجرات التي انتابت دول أميركا الجنوبية ودول العالم الاسلامي والعربي في أعقاب ما عرف بالربيع العربي وأزمات الحروب الداخلية التي عصفت ببعض البلاد العربية وتسببت بنزوح الملايين من المواطنين العرب وعبورهم الى أوربا وأميركا والتي كان لها دور مهم في بروز وصعود الحركات والأحزاب اليمينية و المتطرفة في أوربا وأميركا، وقد حدثت بالتزامن مع موجة الارهاب التي اجتاحت عالمنا العربي والاسلامي وشملت بعض مناطق ودول العالم ومنها أوربا مما أدى الى تصوير متلازمة الارهاب والهجرة في الذهنية الغربية التي هي تتركب أصلا على ثنائية التقسيم في العالم الحر الذي يمثله الغرب والعالم الآخر الذي يشمل العالم باسره ويمتد جذر هذه الثنائية العنصرية الى العقل الإغريقي وصار استحضارها من اليسير التاريخي لدى الحركات والأحزاب اليمينية والشعبوية في الغرب واميركا في ظل المواجهة الحادثة مع المهاجرين.

وقد اقترنت تلك الثنائية التمييزية تجاه الاسلام والمسلمين في الولايات المتحدة الأميركية بالعنصرية الحادة الراسخة في الثقافة الأميركية والمغيبة منذ حركة الحقوق المدنية التي قادها داعية الحقوق المدنية القس مارتن كنغ لوثر، فايديولوجيا التمييز والكراهية العنصرية تجاه القوميات والأديان الأخرى لم تكن طارئة على ثقافة وتاريخ أميركا وانما تشكل جزء بنيويا من هذه الثقافة وهذا التاريخ، ورغم التحريمات السياسية والقانونية المدعاة في الولايات المتحدة الاميركية إلا إننا شهدنا تصاعد حالات الكراهية التي انتشرت في أميركا في الدورة الأولى لحكم ترامب.

فقد شهد العام الماضي 2018 م تصاعد أعمال العنف ضد مكونات المجتمع الأميركي الأخرى لاسيما بعد توقعات مكتب الاحصاء الأميركي بتزايد أعداد المهاجرين والملونين والسود مما يؤشر سلبا على أعداد البيض الذين سيتحولون الى أقلية في العام 2044 م وفق مكتب الاحصاء،

ووفق تقرير مركز قانون الفقر الجنوبي نصف السنوي فان جماعات الكراهية بلغت الألف جماعة في العام 2018 م وهي جماعات تنتمي بمجملها الى القوميات البيضاء وقد رصد التقرير حالات القتل لأسباب الكراهية وكانت نسبتها بلغت 40 شخصا في كندا واميركا وعلى يد يمينيين متطرفين واختلفت وسائل القتل بين دهس بالسيارات واطلاق نار والطعن مما يكشف عن مبادرات ووسائل فردية تنطلق من تصورات جماعية وتنتج عن انتشار تلك الثقافات المحرضة للأفراد والجماعات على التطرف والارهاب وبشكل لا تكون معه هناك حاجة الى تنظيم جماعي أو عمل تنظيمي مخطط له، وهو أخطر في آثاره التي تنتج عنها فوضى القتل على مستوى الأفراد وهو ما يذكرنا بالذئاب المنفردة التي تدخل في استراتيجيات تنظيمات داعش الارهابية والتي نشرت القتل والخوف في أوربا وتسببت بالفوضى الأمنية في بعض مدن أوربا.

والمفارقة في ذلك التطرف غير العقلاني ومن الطبيعي أنه ليس هناك تطرف عقلاني إلا إنه يمكن تبريره من وجهة نظر أيديولوجيات التطرف رغم قصور أوجه الاستدلال والقناعة به، لكن المفارقة في التطرف الأميركي تلك السمة اللاعقلانية في عدم التمييز بين الأخرين المشمولين بالكراهية وهي تنطبق على مكونات المجتمع الأميركي ما خلا البيض الذين تنتشر في أوساطهم تلك الثقافة ذات الأصول البروتستانتية والعرقية العنصرية المنحازة الى الرجل الأبيض، فقد شملت مواقف ومشاعر الكراهية فئات وشرائح المسلمين واليهود والسود والملونين مما يؤشر ذلك المضمون البروتستانتي والعرقي في التطرف الأميركي، والمفارقة الأكثر غرابة هو مجموعة براود بويز التي تأسست في العام 2016 م وضمت عناصرها من اليمينيين وطرحت أفكارها في تأييد الرأسمالية ومحاربة الفاشية والاهتمام بالأدوار التقليدية للجنسين والاهتمام بالاختلافات الثقافية وليس العرقية ويضمون غير البيض الى عضوية حركتهم وفق تقرير مركز الفقر الجنوبي، لكن التقرير يصفهم بجماعة كراهية ولا يصنفهم كجماعة عنصرية وهو تعبير اخر عن الفوضى التي تنتجها الكراهية، وأخطر منها في تصنيفات الكراهية الأميركية جماعة أتو ماو وهي نازية جديدة تؤمن بالأفكار الاشتراكية القومية ورمزها الصليب المعقوف وهي تدعو الى تكوين حضارة اميركا على أسس خالية من اليهودية ومن العنصر غير الأبيض وتسعى الى كونية تلك الحضارة الموعودة عالميا وهي تبدو متأثرة بأفكار نهاية التاريخ والنموذج اللبرالي الكوني.

ويبدو أن لوثة الكراهية في أميركا وجدت لها بيئة سمحت لها بالنمو بفعل المؤثرات الأصولية – المسيحية لكن التقرير يذهب الى تحميل مسؤولية انتشار الكراهية في الولايات المتحدة الأميركية الى سياسات ترامب، ولعل ما يؤيد هذا النوع من الكراهية ذات المضمون التنافسي والشكل الثقافي هو امتداد هذه الموجة المضطربة نفسيا وسلوكيا الى جماعات كانت تعاني من الكراهية فاحتوتها تلك الموجة أو الظاهرة الأميركية وشرعت جماعات من السود الأميركيين في تأسيس تجمعات أو حركات تقوم على مبادئ الكراهية فقد ظهرت 233 جماعة من السود العنصريين في العام 2017 م وزادت الى 264 جماعة عنصرية في العام 2018 م.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2019Ⓒ
http://shrsc.com

............................................
- راجع، أسباب تزايد جماعات الكراهية الأمريكية في عهد "ترامب"، تقرير مركز قانون الفقر الجنوبي، عرض: د. رغدة البهي - مدرس العلوم السياسية، بجامعة القاهرة -

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2