هنالك بوادر تشير الى امكانية استنساخ الصراع التجاري بين الصين والولايات المتحدة تلوح في الأفق مع إقرار البرلمان الفرنسي مشروع قانون يفرض رسوما بقيمة 3 % على عائدات الشركات الرقمية العملاقة كغوغل وفيسبوك وامازون بعد اعتماده من قبل

من الواضح ان القرار الفرنسي وإن كان لا يستهدف الشركات الأمريكية لكن سيطرتها على السوق الرقمية تجعلها اكثر المتضررين، ربما نكون غير دقيقن اذا وضعنا ما يحدث بين فرنسا والولايات المتحدة مشابه لما حصل بين الاخيرة والصين التي اصبحت تنافس امريكا في جميع المجالات.

اسباب كثيرة تقف وراء اقدام فرنسا على هذه الخطة من بينها ما شهدته من احداث عنف في بعض مدنها، حيث طالبت هذه الحملات الرئيس الفرنسي بالايفاء بوعوده التي تتضمن تخفيض الضرائب بصورة عامة، اي تخفيض الضرائب لابد ان يقابله موارد جديدة ومن هنا نفهم لمذا جاء هذا القرار الفرنسي.

واشنطن لم تكن تتوقع من حليف سياسي بحجم فرنسا ان يتحول الى خصم اقتصادي في يوما ما، الرئيس الامريكي هو من مهد الطريق امام فرنسا وغيرها في اتخاذ مثل هذه التدابير، عبر حمله شعار امريكا اولا فلماذا لم تكن فرنسا اولا وعلى خطاها تسير العديد من الدول.

الولايات المتحدة فوجئت بهذا القرار الفرنسي المتعلق بهذا المجال بالتحديد في الوقت الذي تشهد العلاقات التجارية الامريكية ودول الاتحاد الاوربي خلافات تقليدية مستمرة، لكن فرض ضرائب تجارية على شركات التكنولوجيا الرقمية الكبرى لم يكن متوقع واصابها بذهول وحيرة.

هذا القرار ربما يكون ضارا نافعا اذ قد يكون واحد من نذر الحرب التجارية الفرنسية الامريكية، ومن ثم يؤدي الى دفع المجتمع الدولي النظر في مسألة لم يتم التركيز عليها وتم تجاهلها وهي الضرائب التي يجب ان تفرض على شركات التكنولوجيا الرقمية بصورة عامة وليس الامريكية فحسب.

القرار تعود اصوله الى مشروع اوربي موحد كان قد تأخر بسبب رفض بعض دول الاتحاد الاوربي. من الدول الاساسية الرافضة لهذه الخطوة هما ايرلندا ولكسمبورغ مرجعين السبب وراء الرفض هو فرض ضرائب على الشركات التي تزيد في عائداتها السنوية عن مستوى سبعمئة وخمسين مليون دولار ومن هذه الشركات هي الشركات الامريكية الاربع الاساسية.

الاتحاد الاوربي يفقتر لاتحاد ضريبي مما اوجد خلافات وتباينات كبيرة في سياسية الضرائب المتبعة في الدول المعتمدة للاعضاء، وهو ما جعل ايرلندا تنتقد وتواجه هذا القرار كونها تدفع نسب منخفضة من الضرائب مقارنة بغيرها، واقعيا واقتصاديا الخطوة الفرنسية خطوة مبررة كون تلك الشركات الامريكية تمارس نشاطقها الاقتصادي في كافة الدول الاوربية بحرية مطلقة.

ليس من العدل مطلقا ان تنشط هذه الشركات في السوق الاوربية بشكل حر وبشكل شامل وتدفع اقل الضرائب مقارنة بالشركات الاخرى، المانيا تخشى ردة فعل انتقامية من قبل امريكا خاصة ما يتعلق بتجارة السيارات ولم تكن مستعدة لاي تأثير على تجارتها الخارجية او الداخلية.

فرنسا لم تكن اقدمت على هذه الخطوة ما لم تعرف جيدا انها قادرة على مواجهة الانعكاسات السلبية التي تحدثها الولايات المتحدة، لكن في المقابل الكثير يعرف ان فرنسا تعاني من ازمة اقتصادية وعلى وجه الخصوص ملف الجباية الذي بات المؤرق الاهم بالنسبة للحكومة الفرنسية التي تدرس اعادة النظر فيه والوصول الى حلول ناجعة من شانها النهوض بالوضع الاقتصادي في البلاد والتخلص من شبح الاحتجاجات التي تجوب الشوراع بين الحين والآخر.

بعيدا عن ماسبق فأن فرنسا قد تكون قادرة على مواجهة جميع التهديدات التي وصفها مجلس الشيوخ الفرنسي على انها "سابقة في تاريخ البلدين"، لما تحمله من صراحة امريكية مغموسة بالابتزاز الملازم للسياسية الخارجية الامريكية. الاتحاد الاوربي يريد ان يكون موحدا قويا بعيدا عن السيطرة الامريكية ورهان ماكرون على ذلك بات واضحا بقراره الاخير.

دون ادنى شك فأن البيت الابيض سيقدم على معاقبة فرنسا جراء اتخاذها القرار الذي وصفته الادارة الامريكية بأنه غير مدروس، اذ من المتوقع ان ترفع الضارئب الكمركية بنسبة عالية على نحو ما فعلت مع الصين التي لم تروق لها الساسية الامريكية الاقتصاية على وجه التحديد.

اذا كانت فرنسا سوف تحصل على عوائد مالية كبيرة على خلفية قرار رفع الضرائب فأن التعريفات الكمركية التي سوف تفرضها الولايات المتحدة تجعل من تلك الضرائب غير مجدية الفائدة ما ينبأ بأن لا تحسن في الاقتصاد الفرنسي وما هذه الخطوة الى اجراء متسرع قد يؤدي بنتائج سلبية على فرنسا بصورة عامة وليس على القطاع الاقتصادي فقط.

هنالك فرصة متاحة امام فرنسا لتسوية مسألة الضرائب مع الادارة الامريكية كأن تكون التسوية مبنية على وضع ضريبة دولية موحدة، من الواضح ان القطاع التكنولوجي في اوربا نشط بصورة غير مسبوقة ذلك نتيجة الحرية المفرطة والانخفاض في نسبة الضرائب ما شجع الشركات الانتاجية على رفع معدلات انتاجها واغراق السوق العالمي بمختلف المواد الرقمية، فلابد من النظر الى التأثيرات السلبية على هذا القطاع ومن ثم محاولة وضع الحلول الضامنة لعدم التأثر.

ما يجري اليوم ليس مواجهة اقتصادية بقدر ما يمكن ان نعدها حرب سياسية جاءت بسبب سياسة الانفتاح المتبعة في الدول الاوربية، يقابل ذلك سياسة الانغلاق التي تتبعها الولايات المتحدة في ملفات مختلفة .

التطورات الاخيرة في الموقفين الفرنسي والامريكي ستؤدي بالعلاقات التجارية بين البلدين الى ماهو اسوأ وهو ما يؤكد وجود حرب قد تكون مستعرة مستقبلا ومن المتوقع ان تشمل الاتحاد الاوربي ككل وليس فقط بين فرنسا وامريكا، في الوقت الذي يوجد من يأمل ان تسير تلك العلاقات نحو التفاهم القائم على المصالح المشتركة والرؤية الموحدة بين العديد من الاطراف لتأسيس اكبر منطقة للتجارة الحرة في العالم.

الاقتصاد العالمي وبعد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين انخفض بصورة ملحوظة وفق تقارير اممية ما يجعله في عرضة للمزيد من الاخفاقات في ظل الازمات المتزايدة بين الدول المسيطرة على مركز التجارة العالمية.

الولايات المتحدة يجب ان تتفهم هذه الضرورة وهي تعرف ان فرنسا والاتحاد الاوربي يمران بأزمة خانقة وهم في طور البحث عن حلول توصلهم الى شاطئ الامان وهذه الخطوات من الطبيعي جدا ان تقدم عليها اي دولة حتى لو كانت الولايات المتحدة نفسها مع عدم المبالاة بما سيحدث من تداعيات شريطة ان يبقى النظام الاقتصادي في البلاد غير قابل للانهيار.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2