يعرف المجتمع المدني بدلالة المؤسسات المدنية التي تعبر عن إرادة الناس ومصالحهم ومن أبرزها النقابات العمالية والهيئات المهنية والتيارات السياسية والجمعيات الإنمائية وجمعيات حقوق الإنسان والتيارات الفكرية وغير ذلك، وهذه جميعا تتبلور من خلال المبادرة الواعية والفعل الطوعي الذي يتأسس على رغبة الإفراد في الانضمام والانتساب، فعضوية الفرد في هذه الكيانات المجتمعية لا تستند على عوامل الوراثة وروابط الدم والولاءات الأولية مثل الأسرة والعشيرة والطائفة والقبيلة وإنما تقوم تبعا للغرض او المهنة او العمل الطوعي الذي تأسس على أساسه المنظمة.

هذه الفكرة حظيت بالاهتمام الكبير من قبل الكتاب والباحثين، وأضحت ميدانا يدافعون من خلاله عن الفرد وذلك بقصد إبراز قيمته الحقيقية في المجتمع، فهم يؤكدون إن اغلب الدساتير في الأنظمة الديمقراطية تؤكد على إن من حق الأفراد في تأسيس أو تكوين مؤسسات أو منظمات أو جمعيات مدنية، أو حتى الانتماء إليها أو المشاركة في أنشطتها وفعالياتها لتحقيق مصالحهم وأهدافهم في المجتمع، وهذا الأمر يعد من أبرز الموضوعات التي تقوم عليها فكرة المواطنة والتي تتصل بحقوق الفرد في الكيان السياسي.

والأكثر من ذلك جاء التأكيد من قياس المستوى الديمقراطي في بلد ما يتوقف على اساس تميزها بمستوى عال من المشاركة السياسية و قادرة على التكيف مع متطلبات السياسة خاصة أن ذلك يقتضي وجود مؤسسات مدنية تقوم بعملية تسييس الشعب ويتحقق من خلالها التواصل الديمقراطي بين المجتمع والدولة، وان ضمان فاعلية هذه المؤسسات سيضمن تحقق المشاركة السياسية والاستقرار السياسي وتمنع تحول النظام السياسي إلى مجرد غطاء شكلي يقنع بالاستبداد، لذلك جاء التأكيد اهمية دور المجتمع المدني في ضمان النظام الديمقراطي، وعليه يجب تعيين حدود نشاط الدولة وتدخلها، بحيث لا تمس حرية عمل هذه المؤسسات وكذلك تحريرها من الهيمنة التي تمارسها عليها، وتتأتى هذه الدعوة لأجل تحقيق استقلالية هذه المؤسسات وصونها كشرط أساسي لضمان ممارسة ديمقراطية حقيقية، لذلك من غير الممكن إرساء قواعد العملية الديمقراطية في ظل غياب مؤسسات المجتمع المدني عن ساحة العمل السياسي، وانعدام فرص المشاركة السياسية الفعلية والمنظمة التي تقدمها هذه المؤسسات للمواطنين، وما لم تأخذ هذه المؤسسات دورها الحقيقي في تنمية المشاركة السياسية للمواطنين فمن غير الممكن خلق نظم سياسية ديمقراطية تنافسية.

إن القيمة المؤسسية لمؤسسات المجتمع المدني تكمن في عملها كقنوات للمشاركة السياسية في عملية اتخاذ القرارات السياسية ورسم السياسة العامة للدولة مما يجعل منها ضرورة لا غنى عنها بالنسبة للعملية الديمقراطية، فمن غير المتصور تأسيس أنظمة ديمقراطية من دون قيام مؤسسات بدورها الفاعل، ولا يمكن لأركان العملية الديمقراطية ان تتكامل من دونها وبالمقابل لن يكون من الممكن لمؤسسات المجتمع المدني أن تنموا وتتطور وان تحصل على دورها الفعلي إلا في ظل نظام ديمقراطي وبهذا المضمون ترسو صيغة علاقة طردية بين الديمقراطية والمجتمع المدني.

وتزداد أهمية المجتمع المدني أكثر لما تقوم به من دور في تنظيم وتفعيل مشاركة السياسية للأفراد في تقرير مصائرهم ومواجهة السياسات التي تؤثر في معيشتهم وتزيد من إفقارهم، وما تقوم به من دور في نشر ثقافة المبادرة الذاتية لعمل الأفراد ودورهم، وثقافة بناء المؤسسات، وثقافة الإعلاء من شأن المواطن، والتأكيد على إرادة المواطنين وتعزيز ثقتهم بأنفسهم باتجاه تغيير واقع مجتمعاتهم على النحو الأفضل وان لا يترك ذلك الأمر حكرا على النخب الحاكمة، على هذا الأساس نجد ان الضرورة تقتضي اليوم من ان يكون هناك دور كبير للمجتمع المدني بتشكيلاته المختلفة ليأخذ المجال الكافي لتثبيت اسس الديمقراطية في العراق وهذا سيعمل دون ادني شك على تحقيق الآتي :

1- التسليم بفكرة ان المجتمع المدني يمثل ركيزة أسياسية تتطلبها الديمقراطية، فهي لا تسعى للوصول إلى السلطة وإنما تقوم بدور سياسي بالفعل يتعلق بتنمية ثقافة الحقوق وثقافة المشاركة بما يدعم قيم التحول الديمقراطي الحقيقي وهي قيم المحاسبة والمساءلة وعلى القادة القيمون على السلطة في العراق من إدراك ذلك.

2- يؤدي المجتمع المدني دورا كبيرا على إكساب الفرد خبرة الممارسة الديمقراطية لأنها تدفع به دوما الى المشاركة في الانتخابات والمساهمة في كافة الشؤون السياسية في المجتمع العراقي وبالقدر الذي يسهم في الارتقاء بمستوى الوعي السياسي وبالشكل الذي يؤدي الى ترسيخ نمط الثقافة السياسية بشكلها الايجابي.

3- ترسيخ مبدأ الثقافة الشعبية لدى الناس والتي تقوم على إعلاء أهمية تنظيم الجهود الذاتية والمبادرات التطوعية في صياغة تنظيمية لمفهوم المواطنة وكل ما يترتب عليها من حقوق أساسية، تمثل ضمانا لمشاركتهم الجادة في صناعة القرار السياسي وفي التأثير على سياسات الدولة في مختلف المجالات او ما يعرف بالسياسات العامة.

4- ان الدور الذي تقوم به منظمات المجتمع المدني سيعمل على تأصيل مفهوم المواطنة بشكله الحقيقي وكل ما يتعلق بها من حقوق هي حق للفرد على الدولة، وواجبات والتي تمثل بحقيقتها التزامات هي حق للدولة على الفرد.

5- ان حقيقة الدور الذي تقوم به منظمات المجتمع المدني سيدفع بالإفراد إلى الاقتناع بأن تطوير قابليات مجتمعهم وتنميته إنما يتحقق بجهود إفراده في ضوء مشاركة شعبية يسهم من خلالها الأفراد بشكل طوعي بتقديم الخدمات لشرائح المجتمع المختلفة.

* مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0