قاد نجاح الثورة الاسلامية في إيران 1979 الى تغيير جذري في فلسفة ادارة الدولة في إيران وتبعا لذلك حصل تحول جذري في العلاقات مع الغرب عموما والولايات المتحدة الاميركية على وجه الخصوص.

وترسخت هذه الفلسفة اكثر في ظل الحرب مع العراق والدعم الذي حصل عليه العراق من الدول العربية وفي مقدمتها الخليجية وكذلك بعض الاطراف الغربية الى الحد الذي شعر به الجانب الإيراني ان الهدف من الحرب والدعم المقدم للعراق هو تقويض نظام الثورة ومنعه من ان ينتقل الى نظام الدولة. وهذا منح الفرصة لقيادة الثورة ان تحشد الراي العام الإيراني لترسيخ الثورة عبر التعبئة الجماهيرية الكبيرة لتأييد نظام الثورة في البلاد وتحقيق طموحاته.

ومن وجهة نظر إيران ان اجراء الحرب كان اجراء يحمل تهديدا وجوديا لنظام الثورة ونجاحاتها، لذا كان هدف القيادة الإيرانية الحفاظ على مكتسبات الثورة وليس التمهيد لتحقيق هدف بناء الدولة. ومع بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي، وفي ظل التغيير الذي شهده النظام الدولي، سارعت الولايات المتحدة الى وصف إيران على انها احدى دول من محور الشر اضافة الى العراق وكوريا الشمالية والذي أعلن عنه الرئيس الاميركي جورج بوش في خطاب حالة الاتحاد في اذار 1991.

وبعد غزو العراق للكويت وتدخل التحالف الدولي لإنهاء الغزو وتعزيز الوجود العسكري الاميركي في منطقة الخليج العربي شعرت إيران بقرب التهديد لها. وتطور الامر فيما بعد حتى ظهر وصف (الدول المارقة) من قبل وزيرة الخارجية الاميركية مادلين اولبرايت في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي على الدول الثلاث ذاتها. وكل ذلك اشاع جو التوتر بين الولايات المتحدة وإيران وصولا الى اهم حدثين عززا من تهديد الامن القومي الإيراني وهما غزو افغانستان 2001 والعراق 2003.

والتهديد يأتي هنا كتحدي للفلسفة السياسية للنظام الاسلامي الحاكم في إيران وايديولوجيته المبنية على الدفاع عن المسلمين في اي بقعة في العالم ومواجهة قوى الاستكبار العالمية، وايضا تحدي لمفهوم الامن القومي الإيراني المبني على ان الامن الاقليمي في المنطقة هو محور الامن القومي الإيراني والذي على اساسه تجهد إيران ماليا وعسكريا ليكون لها تأثير ونفوذ سياسي وامني في ملفات المنطقة وتوسع ذلك الجهد بعد وصول والقوات الاميركية الى الحدود الإيرانية من الجهتين الشرقية الجنوبية (افغانستان) والجهة الغربية (العراق) فضلا عن الاساطيل البحرية في مياه الخليج العربي، وسعت إيران الى تعزيز دورها في كلا البلدين والذي يراه الكثيرين انه يأتي في اطار افشال المشروع الاميركي في المنطقة عبر وكلائها مما اضفى جهدا اضافيا على الولايات المتحدة في كلا البلدين.

هذا الدور الإيراني ينطلق من ايديولوجية النظام وفلسفته السياسية المترجمة في عدد من مواد الدستور الإيراني ومن رؤيته للأمن القومي الإيراني والذي تجسد في الوجود العسكري ودعم عدد من المجموعات في المنطقة كما في سوريا لاسيما بعد تصاعد الازمة السورية ووصولها الى مرحلة العنف والحرب الاهلية وكذلك الحال في العراق. وهذا الدور السياسي والامني كان له اثر كبير في الوصول الى اتفاق الدول (5+1) مع إيران حول برنامجها النووي.

وبعد وصول الرئيس دونالد ترامب الى البيت الابيض وتأكيده رفضه للاتفاق والاستراتيجية المتبعة تجاه إيران من قبل سلفه باراك اوباما، وبالمقابل اكدت إيران رفضها لموقف ترامب من الاتفاق. وبعد قرار الرئيس ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي، واستئناف العقوبات المفروضة على إيران، تراجعت الاخيرة عن موقفها المتضمن انهيار الاتفاق بعد الانسحاب الاميركي منه وتحول الى مطالبة إيران الدول الاخرى الايفاء بالتزاماتها. الامر الذي يؤكد الرأي المتضمن ان القيادة الإيرانية تريد للاتفاق ان يستمر لتتمكن من الاستمرار في نفوذها واحداث تأثيرها السياسي والامني في ملفات المنطقة وبما يعزز من سيطرة النظام في الداخل.

اليوم ومع تشديد العقوبات الاقتصادية والغاء الاستثناءات الممنوحة لثمان دول من استيراد النفط الإيراني، تدخل إيران مرحلة جديدة من التوتر والتصعيد مع الولايات المتحدة وبلوغ التهديد بالضربة العسكرية اقصى درجاته من قبل الولايات المتحدة، فضلا عن كونها حالة جديدة يعيشها النظام الإيراني تتمثل في النظام بدأ يشعر بتهديد وجودي. ولذلك تصر القيادة الإيرانية على رفض التفاوض حول برنامجها الصاروخي وهو الجزء الذي تسعى خلفه الاطراف الاوروبية في الاتفاق النووي. اذ مع ضعف القوة الجوية لإيران فانه تعول كثيرا على الصواريخ متوسطة وبعيدة المدى لاستخدامها اذا ما تعرضت لضربة عسكرية اميركية وهذا ما اكده رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية والابحاث العلمية في الشرق الاوسط في طهران (کیهان برزگر).

التساؤل الذي يثار، كيف تنظر إيران الى هدف الولايات المتحدة من الحرب معها أيا كانت طويلة ام محدودة؟ من متابعة التصريحات والمواقف الإيرانية نلحظ انه إيران تهدف ان لا تشكل الحرب تهديدا وجوديا للنظام السياسي فيها. بعبارة اخرى القيادة الإيرانية تهدف الى الدفاع عن النظام السياسي ذو الهوية الاسلامية – المنجز الابرز للثورة الاسلامية - وهذا الهدف يشكل اولوية بالنسبة لها ولا تكترث بالدفاع عن منجز الدولة ومؤسساتها والفرق هنا كبير. ولهذا السبب تعول القيادة الإيرانية على الحرس الثوري كقوة للدفاع ضد اي هجوم عسكري. لأنها – اي القيادة الإيرانية – تنظر الى اي هجوم عسكري على انه هجوم على النظام واركانه الاساسية.

ولذلك كثير من المواقف الاميركية تؤكد الى ان هدف الولايات المتحدة ليس اسقاط او تغيير النظام في إيران بقدر ما هو تعديل السلوك السياسي الخارجي له. فالولايات المتحدة تدرك طبيعة النظام السياسي الإيراني وكذلك لا تريد تأليب الرأي العام الإيراني الداخلي ضد سياساتها تجاه إيران، لذا كثيرا ما تذهب باتجاه الفصل بين النظام الحاكم والشعب. ولهذا السبب لا يمكن للقيادة الإيرانية ان تثق بالطروحات الاميركية حول التغيير السياسي في إيران.

وحول مستقبل الموقف الإيراني من التصعيد مع الولايات المتحدة والحرب مع الولايات المتحدة، نرى انه متى ما تأكد لدى القيادة الإيرانية ان الولايات المتحدة لا تريد اسقاط النظام السياسي فيها، وان الضربة العسكرية في حال حصولها ستزعزع النظام السياسي واركانه العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، ربما سنكون امام تغيير في القرار الإيراني من رفض التفاوض والحرب مع الولايات المتحدة كما أعلنه المرشد الاعلى علي خامنئي، الى قبول التفاوض مع الولايات المتحدة حول اتفاق جديد بعد ان تصل الامور الى حافة الهاوية.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2019
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0