لا بديل عن القيم الليبرالية في عالم اليوم سوى الالتفاف واختيار الأنماط المعقولة في التدبير والتسيير. والتقليل من الصراعات الداخلية والخارجية. يعني عولمة الرأسمالية والنمط الليبرالي في الاقتصاد والتجارة والسياسة. وهذا الفعل يستوجب نخبا متمرسة في العمل السياسي. ويقتضي إحلال الديمقراطية وفلسفة حقوق الإنسان. وتكريس القيم الفردانية واختيار الحداثة الغربية كفلسفة في النمو. والقطع مع ترسبات التقاليد والعادات. وتفكيك أوصال المجتمعات وخلخلة الذهنيات كشرط للولوج والتقدم.

فالقيم المعولمة نتاج سيرورة من القطائع في الفكر والثورات السياسية والاقتصادية. ونتاج مسار ومخاض في ولادة الغرب الصناعي والسياسي بقيم مادية ومعنوية شكلت المخيال الاجتماعي والبنية الذهنية بأفكار وثقافة عميقة ساهمت في تشكيل معالم الذات. واستمرت كممارسة وتربية في مجال التعليم والحياة الاجتماعية والسياسية. غير منفصلة عن القيم البروتستانتية في تحليل السوسيولوجي ماكس فيبر كسبب أساسي في تطور الرأسمالية الغربية. ومتصلة بالفعل والمعنى الذي يصبغه الإنسان في الممارسة العملية وفي السلوك اليومي. ومحددة في التقدم الذي يشهده الغرب.

ولادة القيم العقلانية وليدة العصور السابقة في التدوين والتأسيس كعصر النهضة. ووليدة العلم الحديث والثورة العلمية في القرن السابع عشر كتتويج للمسار المتصل في بنية العلم وشرارته المستمرة. ووليدة الفكر السياسي والاجتماعي وعصر الأنوار. وما يتعلق بالإنتاج الفلسفي العقلاني في فلسفة ديكارت وهيجل. وتوهج هذا الفكر في قوة العقل الاداتي لإرغام الطبيعة وتطويعها والسيطرة عليها بقوة المنهج العلمي وتأملات العلماء في الظواهر الطبيعية. ومسار الفكر في التاريخ وقدرة العقل كقوة لا متناهية في تكريس القيم العقلانية وتعيين الفكرة المجردة في عالم الموضوعات والأشياء بفضل الوحدة وقدرة العقل في تذويب التناقضات بين الذاتي والموضوعي. وبالتالي أصبح التطابق بين العقل والواقع ملموسا في تحقيق الأهداف والغايات.

هكذا يجد فرانسيس فوكوياما في نهاية التاريخ فكرة قائمة في الفكر الهيجيلي وحتمية المسار التاريخي الذي ينتهي بميلاد مجتمع الحرية والعقلانية. في الدولة التي يعتبرها هيجل أرقى الأشكال التنظيمية التي تعينت في الواقع. وتحققت في واقعها النماذج العقلانية في التدبير والتسيير.

في عقلانية الفرد والمجتمع تحقق ما كان يطمح إليه العقل. وكانت بالفعل تعبير أقوى عن الإرادة الحرة وتجليات العقل ورغبة الكائن الإنساني في تحقيق القيم العقلانية كمسار ايجابي للفكرة في بعدها المجرد والمحسوس. وليست الدولة العقلانية بأسسها ومبادئها الفكرية والأخلاقية إلا نتاج العقل والقيم الدينية. ونتاج الحاجة والرغبة في العبور نحو مستقبل. يضمن الهيمنة للغرب الرأسمالي في السيطرة على العالم وتعميم النماذج الصائبة في السياسة والثقافة.

سياق الفكر التاريخي المعاصر مع فوكوياما ينهل كثيرا من سياق الفكر الفلسفي الحديث. والسوسيولوجيا الكلاسيكية خصوصا مفاهيم من حقل عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر عن الفعل الاجتماعي وعلاقة القيم البروتستانتية وروح تطور الرأسمالية. وفكرة النجاح والمبادرة الحرة وتحفيز الإنسان في العمل والإنتاج. يعني دينامية الفكر الغربي في نزعته المحافظة على النظام القائم. وفي الميل نحو التجديد دون الأخذ بأفكار كارل ماركس الثورية أو نيتشه في الهدم والتقويض والشك. وكل ما يهدد سلامة المجتمع في الدعوة نحو البدائل في الفكر والاقتصاد.

فالتطور لا يؤخذ بصيغة الفكر الماركسي في ثورة العمال وقلب النظام الرأسمالي نحو الاشتراكية وإحلال مجتمع المساواة واللاطبقية. الذي يعني نهاية الملكية الخاصة. وإحلال الملكية العامة. أو في تلك الأفكار الهدامة والداعية للتقويض والهدم لما في الرأسمالية من طبقية واستغلال. وتنميط الإنسان وفق قوالب معينة.

خطاب النهايات في الفكر المعاصر ينطلق من الفكرة القائلة بتلاشي الإنسان ومحدوديته. ونهاية صورة معينة والقول بفكر بديل. ونهاية التاريخ لا تعني النهاية الحتمية للرأسمالية حسب فوكوياما. بل بوادر ميلاد فكرة أخرى جديدة تعيد العالم إلى طبيعته في نهاية الحروب والصراعات العرقية أي النهاية لكل النماذج الإيديولوجية من الفكر القومي والحركات الدينية والفكر الماركسي. ولا بديل عن الفكر الليبرالي في اقتصاد السوق. وفي قوة الليبرالية كفلسفة في التدبير وتوسيع هامش الحرية السياسية والمشاركة في الحياة الاجتماعية. في قوة المجتمع المدني ودينامية الحياة السياسية التي تعرف نموا في ظل التنافس النزيه على تداول السلطة.

لا مكان للإيديولوجيات المنغلقة في عالم اليوم. في ظل السيادة للفكر الليبرالي والنظام الديمقراطي وبالتالي يعزز فوكوياما فكرة اكتمال التاريخ في النهاية الحتمية للنظام الرأسمالي كاسلوب حياة وفكر دون غيره من البدائل المطروحة. خيار الإنسانية في قيادة العالم نحو النمو والرخاء. ويعيد صياغة الفكرة من خلال الإعلان النهائي عن موت الايدولوجيا الماركسية. وفكرة الصراع الطبقي بين السيد والعبد في الجدلية التاريخية التي وضع معالمها هيجل وأعاد صياغتها كارل ماركس في نهاية التصالح والاعتراف المتبادل بين البورجوازية والبروليتاريا العمالية. لا معنى للاستلاب أو الاغتراب في ظل الديمقراطية. هامش للحرية كما وكيفا. نخب متمرسة في ممارسة الفعل السياسي وفق أسس عادلة. ومن خلال العلاقة المتوازنة بين الحاكم والشعب. بناء على فلسفة الحقوق والواجبات والمواطنة.

ينتهي فوكوياما للتهليل بفكرة اقتصاد السوق الحر. وبالعولمة التي تساهم في التقليل من الاحتقان الاجتماعي. والتسريع من النهضة الاقتصادية الشاملة في العالم. نهاية التاريخ لا يعني الاكتمال والنهاية الحتمية لعجلة التاريخ. النهاية تشير لاكتمال مرحلة وإخلاء السبيل لأخرى جديدة وبطرق نوعية في عملية مستمرة ومتجددة للتطور. ومسايرة إيقاع العصر في جوانب متنوعة.

خطاب النهايات كما رسمته أقلام غربية من البنيوية إلى الفكر الفلسفي المعاصر. تعني بالأساس نهاية النزعة الإنسانية ونهاية صورة الإنسان في الفكر الميتافيزيقي. الفاعل والمريد. إنسان بمحددات ثابتة. تعلن الفلسفة المعاصرة عن نهايته واختفائه وإحلال فكر بديل. فكر ما بعد الحداثة. وفكر الاختلاف والنسبية.

فوكوياما يتقاطع ومنطق النهايات في القول بنهاية التاريخ والإنسان الأخير. انبجاس عصر جديد. وفجر الليبرالية الديمقراطية كفلسفة في الحكم والقيادة بعيدا عن الأنظمة الشمولية التوليتارية. والحكم العسكري. وسلطة الفرد الواحد. فالديمقراطية الليبرالية نهاية الفكر السياسي الإنساني. ولا يعتقد فوكوياما في نظام أرقى منه. محاسن الليبرالية في هيمنة روح الجماعة في صياغة القرارات. وفي ميلاد السلطة المشتركة المأمولة النتائج. في الحرية الفردية والجماعية. وفي قوة المؤسسات الضامنة للحق والحريات. في التحفيز على العمل والإنتاج وتحقيق الذات. وفي تكوين النخب ومرامي الفاعل السياسي. في مجتمع متنوع الأعراق والقوميات كالولايات المتحدة الأمريكية.

حوار الفيلسوف فوكوياما مع الفكر السابق. في المفاهيم والأفكار الممهدة في ميلاد الليبرالية. ولا يهدأ فوكوياما في تفنيد الماركسية والصراع الطبقي. وتشكيل الوعي الجديد الذي يعني أن العالم الحر ترك وراءه الأيديولوجيات المنغلقة. وأخذ بمنطق الاعتراف والتصالح وفق صياغة هيجل للجدلية التاريخية في صراع السيد والعبد الذي ينتهي للاعتراف المتبادل مع إبقاء الثروة للسيد والتقدير والقدرة للعبد. وهكذا يزيل فوكوياما السلبيات العالقة في النظام الرأسمالي. ويسعى في تعميم النموذج الكامل في الاقتصاد والسياسة والثقافة.

أخلاقية المجتمع الديمقراطي محفورة في القيم. وفي ترسبات التقاليد الغربية النابعة من الماضي والمستمرة في الزمان والمكان. ويعطي مثالا بالبروتستانت الذين حملوا القيم المسيحية من خلال الإصلاح الديني إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا الأمر يعزز فكرة ماكس فيبر في الربط بين العامل الاقتصادي والقيم الدينية. والمثال الآخر بالصفوة في اليابان التي حملت المشروع الحضاري في التغيير للعقليات حتى أصبحت اليابان قوة اقتصادية عالمية بفضل النهج الديمقراطي والإصلاحات الواسعة.

لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين. ومن اليونان انبثقت الديمقراطية الأثينية في عهد بركليس. ومن الغرب الحديث تبلورت الديمقراطية في بريطانيا وفرنسا. واستمرت الفكرة في توسيع هامشها وتجديد قواعد العمل الديمقراطي. فالغايات القصوى تأمين الهيمنة المطلقة للغرب على العالم. وتسويق النموذج الاقتصادي والثقافي المعولم. الذي يعني القبول بالمعايير الناجحة في العبور نحو الحداثة. كونية القيم التي يطرحها المفكر الغربي عقلانية في القطع مع التقاليد والقيم المتكلسة وإنتاج المفيد في فلسفة عملية تأخذ بعين الاعتبار المصلحة العليا للغرب في فتح الأسواق العالمية أمام المنتجات الغربية. وان كانت المسألة محسومة بالغايات الايجابية. فلماذا الخوف والتحذير من الآخر ؟ لماذا التنصل من فكر الاختلاف ؟

الانتشار الواسع للبضاعة الاستهلاكية وتحفيز الإشهار بالقيم الليبرالية. وما تنقله القوة الناعمة في السينما والفن والأخبار الواردة من العالم. وشبكة المراسلين. والجديد في عالم التغذية والطعام. والرحلات والأسفار. والبرامج الوثائقية يزيد في درجة تعميم النموذج الليبرالي. وتكريس الثقافة الواحدة. ومحاربة الفكر المضاد تحت مسميات الانغلاق والتزمت والأنماط اللاعقلانية. ولنا في أفكار ومؤلفات صمويل هنتغتون والحوارات التي تجرى مع فوكوياما في وسائل الإعلام وفي الندوات واللقاءات الدولية.

إن الغرب يجابه حضارات بقيم مضادة كالحضارة الإسلامية في صعود الإسلام السياسي والحركات الراديكالية والكونفوشيوسية في صعود الخطر الأصفر المتمثل في الصين. القوة الصاعدة والنامية بدرجة كبيرة. هذا الهوس والخوف يولد تساؤلات عن الهوية والخصوصية الثقافية. في عولمة لا إنسانية ولا أخلاقية في رأي الفيلسوف جان بودريار حيث أنتجت السياسة الغربية من ذاتها العنف والقوة. والرغبة في الهيمنة. وساهمت في صعود القوى الراديكالية في العالم. وآلية المقاومة من قبل شعوب أخرى رافضة للعولمة الأحادية والقسرية.

فمن مظاهر انحرافها. الهيمنة الاقتصادية والإبقاء على التقسيم العالمي للشغل. وتزايد شرارة الاستهلاك. ونقل الوحدات الصناعة نحو بلدان اقل كلفة. وأوهام إلغاء الحواجز في البور للبضائع والبشر. فالاستقطاب للأمم في حروب عالمية على كيانات وجماعات. والتهليل بالقوة في حق شعوب أخرى لها تاريخ وسيادة. في محاولة لإرغامها أو لثنيها على تبني الاختيارات أو التلويح بالعقوبات الشاملة.

منطق القوة واردة في خطاب الهيمنة. يتنافى واختيارات الشعوب لعولمة إنسانية بدون ذوبان في القيم المحمولة بالقوة. عولمة القيم الغربية مفاده تمركز الغرب عند نزعة مركزية استئصالية. تلك النزعة المركزية المرفوضة من قبل المفكرين الغربيين والتي لا تأخذ بمنطق المصالح المتبادلة. والحاجة للمثاقفة والتصالح. وان كانت تلك الأنماط المعولمة معقولة في التقدم والعبور نحو القرن الحادي والعشرون فان الاختيار والتقبل بالحرية والاقتناع أحسن في بناء عالم متكامل.

ليست لعولمة سوى تعميم النموذج الأمريكي بعد نهاية الحرب الباردة. واندفاع المعسكر الغربي نحو التوسع والهيمنة.

في إفريقيا تتشكل معالم العولمة الاقتصادية في السيطرة على الموارد الطبيعية. وفي الشرق تتشكل معالم العولمة الثقافية والقوة العسكرية. وتصاعد حدة الحروب المباشرة بوسائل عسكرية واستخباراتية. حروب استباقية وحروب عالمية على ما يسمى "الإرهاب" ومحاولة تغيير خارطة المنطقة. نهاية التاريخ ليست بالضرورة الاكتمال والنهاية الحتمية للعالم بل في النهاية الجزم بالفكر الليبرالي والرخاء الاقتصادي. وتشكيل "القرية الكونية" في عملية النقل للقيم والرموز. وتنميط البشر وفق قالب محبوك بدقة في الإبقاء على الريادة والهيمنة للنظام الرأسمالي. الذي يجدد نفسه باستمرار بعيدا عن الملاحقة والمتابعة من قبل قوى اليسار المسلح بالفكر الماركسي.

في رحاب العولمة يجب استيعاب مضامين الفلسفة الليبرالية والقواعد الديمقراطية على مقياس التجارب الغربية في النهضة الشاملة. نوع من التجانس من جهة صناع العولمة. ونوع من القضاء على التنوع الثقافي والتنوع الحضاري. وبالتالي يشتد الصراع والتدافع نحو مجابهة العولمة بدافع الهوية والتفرد. والعودة للتاريخ من جديد للمقاومة والرفض مما يزيد في تقوية الحركات الرافضة لسياسة العولمة التي يعتبرها البعض استعمارا جديدا للإجهاز على ما تبقى من قدرات وخيرات الدول النامية.

عولمة الصورة والاستهلاك. وعولمة الأخبار والمعلومات. عولمة الثقافة. فهناك بالفعل انزياح العولمة نحو الاقتصادي والسياسي والدعوة للتعميم. ومحاربة الأنظمة الاستبدادية من اجل تعميم النموذج الديمقراطي في الحكم والتسيير. ثقافة جديدة اكتسحت الثقافات بفعل وسائل التواصل الاجتماعي. وقوة الإعلام وتوجه الدول نحو اقتصاد السوق.

وتبقى النواقص موجودة في الحاجة إلى أنسنة العولمة. والكف عن سياسة العداء للقيم الأخرى من خلال إلزام القنوات المحرضة على الكراهية ونشر الخوف بالعدول عن انتشار الخطاب السلبي. وتكريس المبدأ القائل بالاعتراف والتسامح.

* احمد شحيمط، كاتب من المغرب

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1