لغة التهديد المتبادل بين امريكا وايران ستؤثر مباشرة على إعادة الاستقرار للدولة العراقية، سواء بالجانب السياسي وتعزيز الديمقراطية في هذا البلد، او على المستوى الاقتصادي والبنى التحتية المنهارة التي ترغب الحكومة في اعادة بنائها وتطويرها.

هي حالة الحرب واللاحرب بين واشنطن وطهران، تهديدات متصاعدة، وتحشيد عسكري، عقوبات أمريكية قاسية جدا، يقابلها استنفار عسكري إيراني على الجبهات المفتوحة في الشرق الأوسط، ولا سيما سوريا، اليمن، لبنان، العراق، وآخر جولات المواجهة انسحاب إيراني جزئي من الاتفاق النووي بعد استقدام حاملة الطائرات "ابراهام لنكولن" الى مياه الخليج.

ورغم ما يبدو من تصريحات خطيرة، الا ان المواجهة تتخذ من العراق ساحة كبرى لها، فالادارة الامريكية تبدو وكانها تضايق ايران من اجل استعادة مكانتها في هذا البلد الذي خسرت من اجله ثلاثة ترليونات دولار دون مكاسب ملموسة. وبالفعل قَطَعَ وزير الخارجية مايك بومبيو زيارته الى المانيا متوجها الى بغداد ليضع ترتيبات الحرب المقبلة على ارض بلاد الرافدين.

حماية مضمونة

بومبيو انتزع من المسؤولين العراقيين تعهدا بتوفير "الحماية المناسبة" لمصالح الولايات المتحدة، وقال انه تحدث عن أهميّة أن يضمن العراق قدرته على توفير الحماية المناسبة للأميركيين، مشيرا إلى أنّ المسؤولين العراقيين "أظهروا لي أنّهم يدركون أن هذه مسؤوليتهم"، وكلام بومبيو يؤكده رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بالتزام بغداد بحماية البعثات الأجنبية، وعدم السماح بوقوع اعتداء على أي مقر عسكري أو سفارة أو شركة أجنبية.

الزيارة تتناغم مع ما قاله الرئيس الأمريكي بانه لا يريد معاقبة ايران من اجل ايذائها، انما يريد ان يجلسها على طاولة المفاوضات، وهذه المفاوضات التي يطلبها ترامب لا تتعلق بحجم الماء الثقيل، ولا كمية الوقود النووي، انما تركز على ملفات مهمة، ابرزها صناعة الصواريخ الإيرانية المتطورة، ونفوذها المتنامي في منطقة الشرق الأوسط.

والتركيز الأكبر بالنسبة لترامب وادارته هو ملف النفوذ الإيراني في كل من سوريا، ولبنان، والعراق، وبالنسبة لسوريا فان روسيا اخذت دور أمريكا هناك، وهي التي تتحكم بصيغة التفاعلات السياسية والعسكرية، ما جعل واشنطن وحلفائها مطمئنين نوعا ما، اما في لبنان فهناك شبه قناعة بالواقع الذي خلقه وجود حزب الله وبكونه لا يمكن تغييره بسهولة ما يعني تاجيله للمرحلة المقبلة.

من له الحق في العراق؟

يبقى الملف العراقي هو الأبرز والأكثر تزاحما في الاستراتيجية الامريكية الرامية الى تقليص الوجود الإيراني في المنطقة، وهي بذلك تنطلق من قاعدة مفادها ان القوات الامريكية هي التي اسقطت نظام البعث، وهي الاحق في بسط نفوذها في هذا البلد، فمن الأشياء التي يتاسف عليها ترامب دائما تلك الأموال الطائلة التي تم صرفها على العراق دون ان يكون لبلاده نفوذ هنا.

ترامب يحمل عقلا لا يرى سوى الدولارات، وهو يعتقد ان العراق منجم مالي، ولِمَ لا والنفط فيه يزاحم الماء، اليس هذا كافيا ليؤكد ان المعركة الامريكية الإيرانية تتركز حول العراق؟ هل زيارة ترامب الليلية الى العراق، ووزير خارجية وتغريدات سفارته في بغداد ضد طهران، هل تكفي هذه لتأكيد تحول العراق الى ساحة حرب بين طهران وواشنطن؟

في المقابل يتبين حجم المواجهة المستعرة من خلال ما يقوم بها حلفاء ايران على الأرض مستغلين تغلغلهم بالنظام السياسي، فمجلس النواب صار الى منصة لمشاريع القوانين المعادية للوجود الأمريكي، حتى ان الكتل المتحالفة مع ايران نسيت القوانين الخدمية او تلك التي تهم مصالح المواطن، ويتبنوا خطاب الحرب.

ما هو الحل؟

الحكومة العراقية في موقف صعب، فالحياد الرسمي العراقي قد لا ينقذ البلاد لان المواجهة اقوى من الحكومة نفسها، واطراف النزاع لا تهتم بموقف بغداد، انما بما يصدر من افعال لاطراف النزاع، والولايات المتحدة تنظر للفصائل المسلحة بمعزل عن رؤية حكومة عبد المهدي.

في المقابل تعمل السفارة الامريكية بعيدا عن توصيات بغداد، واخرها تغريدتها ضد المرشد الاعلى السيد علي الخامنئي والتي اثبتت ان سفارة واشنطن هي نقطة متقدمة للحرب مع طهران، وهنا يصعب على حكومة بغداد ضبط الاستفزازات التي تقوم بها السفارة الامريكية او قواتها المتمركزة في القواعد العسكرية، كما انها من شبه المستحيل ان تضبط تحركات الفصائل المسلحة التي ترى تلتزم دينيا مع ايران اكبر من التزامها القانوني مع العراق.

المواجهة الإيرانية الامريكية تهدف الى إعادة التمركز وإعادة التموضع بانتظار المرحلة المقبلة لصراع اكبر في الشرق الأوسط، والطرفين يعرفان ان أي هزيمة في بلاد الرافدين تعني خسارة اكبر في المنطقة، ما يجعلهما يشدان الحبل اكثر وهذا بدوره ينعكس بالضرورة الى صراع محموم وعدم استقرار في العراق.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1