سؤال مطروح على الدوام أثناء الأزمات التي تعصف بها وتخرج منها غالبا منتصرة وبصعوبة!...القراءات والتحليلات التي تخرج من الخبراء والمختصين والتي يستند البعض منها على أسس بحثية راسخة لم تصل في نتائجها حد اليقين المطلق في توقع انهيار وشيك للرأسمالية الغربية التي هي الأكثر تطورا في عالم اليوم!.

لاشك في وجود دراسات وكتب ومقالات تجيب عن هذا السؤال الخطير ولكن لا بأس في اضافة هامش بسيط للراغبين بطريقة سلسة تقرب الاجابة الى الأذهان دون الخوض في التفاصيل التي تبعد قراء هذا الزمان من الخوض فيه!.

في تاريخ الرأسمالية المعاصر عدة أزمات ولكن أبرزها أعوام 1929 و1987 و2008 والتي نتجت عن انهيار البورصات والبنوك في الغالب مما جعل أسس ذلك النظام العتيد يهتز بقوة دون ان تطيح به من عرش الزعامة العالمية!.

الرأسمالية المعاصرة تختلف كليا عن الرأسمالية البدائية التي سادت في القرن التاسع عشر وما قبله والتي اخرجت لنا خصمها الرئيسي: الاشتراكية، بمذاهبها المختلفة وعلى رأسها الشيوعي بفروعه المتعددة أيضا!.

لقد كانت الرأسمالية ومن قبلها مرحلة الاقطاع، متوحشة بشكل مرعب صورته لنا مصادر التاريخ والادب والفن بتفاصيل دقيقة حتى رأينا قوة وقسوة ردة الفعل المأساوية وبخاصة من النظم الشيوعية في العالم جراء ما حدث، والطرفان خلقا بالفعل مآسي لا يمكن التغاضي عنها، ولكن تلك الرأسمالية جددت نفسها وحصنت داخلها من الخلل والعيوب وعلى مراحل طويلة من خلال قبول الكثير من الآراء والأفكار التي خرجت من الخصوم قبل المناصرين لها، فقبلت الديمقراطية كوسيلة لتداول السلطة والليبرالية كمنهج متاح للجميع والاشتراكية الديمقراطية كطريقة تخفف من شدة وقسوة الطبقات المهيمنة على المجتمع، بل وصل الأمر إلى قبول الكثير من التطبيقات النظرية والعملية الاقتصاد الماركسي من قبيل وضع الخطط المستقبلية للتنمية وحل المشاكل العالقة لفترة طويلة ناهيك عن الطارئة منها وما قام به كينز عندما وضع نظريته العامة عام 1936 التي أخرجت العالم الرأسمالي من أزمته آنذاك هو شيء طبيعي عندما استعان ببعض الأفكار الواردة في أدبيات الفكر الاشتراكي وطورها والتي أنتجت في النهاية دولة الرفاهية الاجتماعية والخدمات العامة والوفرة الاقتصادية والتي تقارب المفاهيم الاشتراكية ودعوتها في بناء مجتمع مثالي خال من الاستغلال والفقر والجوع!.

في المقابل هاجم مناصري الاشتراكية وخاصة الشيوعيين منهم كينز وامثاله واتهموه بالسرقة والرجعية الخ من الاتهامات الجاهزة!.

حصنت النظم الاشتراكية نفسها من قبول الآراء والمعتقدات المخالفة لمرتكزاتها النظرية واعتبروا كل من يخالف ذلك الطريق هو خائن للمسيرة والمبادئ، متجاهلين قوة وخطورة التطور التاريخي التي تكسر حالة الجمود والانعزال بمعاول التأثيرات الخارجية والمعارضة الداخلية المتنامية!.

لم تقبل النظم الاشتراكية بالليبرالية والديمقراطية ولا حتى برأسمالية محدودة مع عداء غير مبرر للعقائد والأديان والحريات الفردية مما جعل نهايتها المأساوية شبه حتمية بينما خرجت الصين من تلك الحالة المزرية بقبول الرأسمالية ولو تحت ستار اقتصاد السوق الاشتراكي، بينما هي في الحقيقة رأسمالية خالصة ولكن بغطاء اشتراكي رقيق! واستمرت في نهجها المعادي لليبرالية والحريات الفردية وان خفت حدة المعاداة عما كانت عليه قبل الانفتاح نهاية عام 1978 وبذلك فتحت طريقا جديدا للنظم الاشتراكية مثل فيتنام وغيرها للخلاص من حتمية السقوط الذي وقع فيه الاتحاد السوفييتي وبلدان أوروبا الشرقية!.

كانت النظم الرأسمالية في الغرب أكثر تطورا في جميع النواحي من البلدان الاشتراكية، واستفادت تلك البلاد من التراكم المالي والوفرة الاقتصادية الطويلة من خلال استعمارها أغلب بلاد العالم المتخلف لقرون عديدة، واستمرت في الهيمنة الواقعية عليها بعد انتهاء ذلك الاستعمار ففرضت نظم موالية في غالبيتها كانت ديكتاتورية فاسدة، سارت في طريق التبعية الكاملة ولنا في البلاد العربية نموذجا مثاليا على تلك التبعية الاقتصادية والثقافية بل وصل الأمر الى طلب الحماية العسكرية من الثورات الداخلية فضلا عن التهديدات الخارجية!.

استمرت الاستثمارات الاجنبية في العالم المتخلف لصالح الغرب الرأسمالي بل ونمت بشكل كبير مستغلة وجود الأيدي العاملة الرخيصة ووجود كم هائل من الموارد الطبيعية مما ساعد على توفيرها في السوق العالمية بأسعار متدنية، مع انفتاح اسواقها امام المنتجات المصنعة في العالم الأول بأسعار باهظة كما استضاف أيضا ملايين المهاجرين بغية تشغيل الماكينة الاقتصادية الضخمة التي تأثرت بسبب كارثة الحرب العالمية الثانية، ولكن بعد عقود من الزمن أصبحت تمثل لهم مشكلة بسبب الخلل في التركيبة السكانية واختلاف العادات والتقاليد وغيرها والشعور بعدم الحاجة للمزيد!.

في المقابل لم يكن ذلك متاحا للنظم الاشتراكية بسبب القيود النظرية والعملية على الاستثمار الخارجي والاستغلال الاقتصادي لموارد الشعوب الأخرى مما حرمها من مصدر مالي وفير تشوب حوله الشكوك الاخلاقية في مصادره!.

من أبرز طرق النجاة للاقتصاد الرأسمالي هي استغلال الفوائض المالية الضخمة للأنظمة والأفراد من الدول النامية وأبرزها الدول العربية النفطية التي استثمرت أغلب أموالها في الاقتصاد الغربي بسبب محدودية حاجتها لها نتيجة قلة عدد السكان مع ضخامة في الإنتاج النفطي والغازي لتلبية الرغبات الغربية في إغراق السوق العالمية وعدم السماح للمنافسين والخصوم من الاستفادة من مواردهم أيضا، كذلك الثروات الشخصية الضخمة للحكام والأفراد والتي تجد ملاذا آمنا في الغرب مما يجعلها مصدرا آخر يضاف الى الفوائض الرسمية المستثمرة! وقد انقذت تلك الفوائض النقدية الاقتصاد الرأسمالي من أزماته المتعددة وخلقت فرصا كثيرة للعمل حرمت منها البلدان النامية! بينما منعت النظم الاشتراكية السابقة نفسها من تلك المصادر لأسباب معروفة.

استغل الغرب الرأسمالي التطور العلمي الكبير الذي اجتاح العالم واستعمال التكنولوجيا بكثافة في تنمية الإنتاج وتطوير الخدمات وخلق فروع جديدة في الاقتصاد واستغلال حالة شراهة الاستهلاك لدى الأفراد نتيجة توفر السيولة لديهم وتنميتها بشكل مستمر، من خلال ضخ المزيد من السلع والخدمات واغلبها غير اساسي للحاجات اليومية دون ادنى اعتبار للبيئة والموارد الطبيعية المتضائلة مما رفع حجم الاحتجاجات العالمية التي وقفت بقوة ضد تلك الظاهرة وأدت في النهاية الى تطوير بدائل للطاقة والموارد الطبيعية وتحديث نوعية السلع لتحد من مشاكل البيئة المتنامية، وقد أدى ذلك الى استغلال أمثل للطاقة وتطوير فروع الطاقة البديلة والموارد الاخرى من خلال خفض الكلفة وقد خلق هذا الوضع فرصا عديدة للعمل وكأي ظاهرة جديدة، أخرجت اعدادا اخرى من سوق العمل.

وهذه الحالة تكررت مرارا بعد التطور الرقمي الكبير والذي ظهر للعلن بعد نهاية الحرب الباردة عام 1990، فظهر الكمبيوتر والانترنت والذكاء الصناعي والشبكات الاجتماعية والمهنية والمعلومات مما ساعد على نمو قطاعات اقتصادية جديدة وخلق فرصا اضافية للعمل لم تكن بمستوى حالة الاستغناء عن الأيدي العاملة التي فقدت وظائفها جراء التطور الجديد مما جعل حجم البطالة يزداد في الاقتصاديات الرأسمالية ولم يتم خلق فرص عمل جديدة في فروع الإنتاج القديمة والتي تحتاج الى كثافة في اليد العاملة بسبب هجرة الاعمال نحو البلاد النامية التي لديها جيوشها كبيرة من العاملين بأجور متدنية للقيام بذات الوظائف التي تحتاج اليهم، وهذا ادى الى حصول تشاؤم عالمي منذ منتصف التسعينيات من تحول 80% من الافراد القادرين على العمل في العالم الى عاطلين بينما يبقى 20% فقط يقومون بذات الوظائف التي يحتاج اليها الاقتصاد العالمي، وقد شاع ذلك الرأي في بداية ظهور تيار العولمة والانفتاح نهاية القرن الماضي ولكن بعد مرور عقد من الزمن لم تتحقق تلك التنبؤات المتشائمة واستمر النمو في القطاعات المختلفة بسبب التطور الاقتصادي في الشرق الاقصى وجنوب شرق اسيا وكذلك في بعض البلاد في افريقيا وامريكا اللاتينية مع بقاء وجود نسبة كبيرة من العاطلين الذين لا يجدون وظائف تناسبهم مما يفرض عليهم القيام بوظائف ثانوية اغلبها غير منتج او خدمي!.

في المقابل تطورت القطاعات المالية والمصرفية وتضخمت بشكل كبير حتى فاقت الحجم الطبيعي وحدثت حالات فساد وخداع وتهرب ضريبي ساهمت في نمو هذه الظاهرة الغريبة أدت في النهاية الى انفجارها الخطير في ازمة 2008 المالية والتي خرجت الدول الرأسمالية منها بمديونيات ضخمة نتيجة الاستدانة واضطرت الى اتباع سياسات ضخ المزيد من الأموال في الاقتصاد بغية عدم الوقوع في حالة الكساد التي سادت العالم بعد أزمة عام 1929، فساعد ذلك في انقاذ العالم من كارثة اقتصادية طويلة.

ساهمت النظم الضريبية المتطورة في خفض الفوارق بين الطبقات الغنية والفقيرة وتلبية حاجات المجتمع وهذا أدى الى توسع في الخدمات الاجتماعية وخلق دولة الرفاه التي تعرضت الى هزة كبيرة في منتصف السبعينيات من القرن الماضي فتعرضت اقتصاديات الدول الرأسمالية الى ازمات تبعه ركود طويل وضع اللوم في أغلبه على ارتفاع سعر النفط، ولم تخرج منه إلا بعد نجاح أنصار الليبرالية الجديدة في تسلم إدارة الحكم في أمريكا وبريطانيا في الثمانينات والتي كانت تدعو الى خفض الضرائب على الشركات وتخفيض حجم الخدمات ورفع القيود وتجميد الأجور وبيع القطاع العام الخ من الإجراءات المعروفة بغية دعم الاستثمار وتطوير الاقتصاد مما أدى إلى زيادة في النمو وفي توسع الفوارق بين الطبقات الغنية والفقيرة ولم يوقف تلك الظاهرة إلا الانهيار المالي في عام 1987 والذي أجبر الجميع الى مراجعة في السياسات المنفذة منذ سنوات بغية الخروج من المأزق الجديد والذي خلقته دعاوى منع الدولة من التدخل إلا في حالات الضرورة القصوى!.

أدى انهيار الكتلة الشيوعية في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي الى حدوث شعور ساد العالم بنهاية التاريخ وحتمية انتصار الاقتصاد الرأسمالي الذي كان حينها يعاني من الركود، فجعل ذلك الشعور مع تخفيض في حجم الموارد المخصصة للإنفاق الدفاعي وعديد العاملين في الأجهزة الأمنية والعسكرية في خلق طوق النجاة للاقتصاد الرأسمالي من جديد الذي نهض في العقد الأخير من القرن الماضي مع توفر مصادر الطاقة الرخيصة واتباع سياسات تحرير التجارة العالمية بغية تخفيض التكلفة وتوفير الموارد في حدوث نهضة جديدة.

يسود العالم الآن النظام الرأسمالي بصوره المتعددة وان كان يخضع للدول الغربية المتطورة اقتصاديا والأزمات الناشئة عنه هي طبيعية، لأن كل نظام اقتصادي واجتماعي قدره ان يواجه متغيرات قد تفوق القدرة المتاحة في التناغم معه مما يؤدي إلى حدوث مشكلات آنية تستدعي إجراءات للخروج من آثارها السلبية، ولكن المشكلة الرئيسة التي تواجه الاقتصاديات الرأسمالية الآن هي صعود التيارات اليمينية المتطرفة والتي اكثرها يدعو الى الانعزالية وفرض القيود على التجارة والاستثمار والتعاون والتشدد لحماية الاقتصاديات المحلية من آثار العولمة والتحالفات الخارجية!.

قد تسبب تلك السياسات الجديدة في نمو لبعض الدول مثل أمريكا ولكنها في النهاية سوف تضعف حلفائها في الخارج وتسبب لهم مشكلات اقتصادية سوف ترتد لاحقا على الدول التي حققت نموا على حسابها بفضل إجراءات الحماية!.

مشكلات الاقتصاد الرأسمالي سوف تستمر وبخاصة حالة البطالة والتي سوف تتوسع بسبب تسريح المزيد من العمال والموظفين نتيجة للتطور التكنولوجي الذي يجبر الشركات والمؤسسات على استخدامها لتوفير الموارد نتيجة للمنافسة الشديدة مع الآخرين، ولكن استمرار النمو الاقتصادي في الكثير من الدول النامية وبخاصة ذات الحجم السكاني الكبير مثل الصين والهند واندونيسيا والبرازيل وأفريقيا وأمريكا اللاتينية سوف يؤدي الى ابقاء الرأسمالية مهيمنة بشكل كبير على العالم حتى تتاح له حينها الخروج من هذا النظام الاقتصادي بطريقة سلسلة قد تحفظ الشكل ولكن يختلف المضمون او بالعكس وحسب المتغيرات الدولية.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0