هل أعطت زيارة عادل عبد المهدي إلى السعودية الضوء الأخضر لعملية الإعدام الأخيرة؟

أم أن الطرف السعودي أراد أن يوهم ذلك ليوّجه رسالة إلى الداخل أن لا ظهر لكم ولا معين ممن كنتم تترقبون نصرته فصار حليفنا؟

فوجئ الرأي العام؛ محليًا وإقليميًا ودوليًا بما سمعه في يوم الرابع والعشرين من أبريل من خبرٍ فظيع؛ مذبحةٌ داخل السجون راح ضحيتها ٣٢ معتقلًا من سجناء الرأي، من المدينة المنورة والأحساء وشرق الجزيرة العربية؛ ليس بسبب المذبحة نفسها، إذ لم تكن الأولى، ولكن بسبب التوقيت.

حيث لم يكن في تصور المتابعين أن السعودية ستقوم بهذه المجزرة في التوقيت الحالي، وفي الأسبوع الذي تزامن مع زيارة عادل عبد المهدي إلى السعودية، ولم يكن مفهومًا بعد مغزى اختيار هذا التوقيت، إذ أن الأحكام (القضائية) متقلِّبة ومزاجية لدى حكام السعودية، حالها كـ حال السياسة والدين، وكان الفضاء السياسي الحالي يفرض على (القضاء) أن لا يمارس عمليات النحر والصلب في هذا الظرف.

وبناءًا على ذلك؛ فإنَّ ما حصل يوم الثلاثاء الدامي في سجون السعودية يوحي أنه حتى التغييرات الإقليمية وسياسة (حسن الجوار) الجديدة مع العراق لم تؤثر على الجانب الداخلي، وعلى أقل التقادير -إن لم نعمم على السياسة التقليدية للنظام- فإن المعطيات والشواهد التي تدل على شخصية محمد بن سلمان توحي استبعاد انفراج داخلي حتى وإن حصل أي انفتاح في العلاقات مع إيران، لما تتصف به شخصية ولي العهد من تهوُّر ومزاجيَّة حادّة.

ومهما يكن المغزى أو الدلالات من تلك الجريمة، فإنَّ ما حصل؛ يُتَّصف بـ عمل إرهابي بـ كل معنى الكلمة، ولا تختلف هذه الحادثة عمّا حصل في سيريلانكا غير أن الأولى مؤطرة بإطار رسمي وحكومي، وهذا ما جعل العالم يصمت قباله دون الثاني.

وهذا الواقع هو الأخطر والأفظع؛ ذلك لأن العمليات الإرهابية المغلَّفَة بـ "داعش" ومثيلاتها - وإن كانت مُموَّلة وموجَّهة من جهة رسمية- إلا أنها تثير عواطف الجميع، حتى من القتلة أنفسهم، حيث يمكن أن تبرز الحزن في وسائل إعلامها، ولكن حينما تكون رسمية وبتوقيع من هيئة كبار العلماء، فإن إظهار الحزن والأسى وإقامة العزاء ستكون أيضا جريمة أخرى توجب عقوبة الدولة حتى وإن كان العزاء بين ذوي الضحايا. (١)

من هنا فإن من إشكاليات شريحة المحللِّين والمثقفين هو تركيزها على عنف الجماعات لكنها تتجاهل أو تسكت على عنف الحكومات، معتبرةً أن ذلك يخرجها عن المهنية ويدخلها في إطار السياسة، وهو مفهوم -إن صح- فلابد من بحث مخرجٍ أوحلٍ له.

يقول عبد الرحمن الراشد (الذي كان يرأس أهم مؤسستين إعلاميتين سعوديتين "قناة العربية" و"صحيفة الشرق الأوسط") في تعليقه على أحداث سريلانكا: "آلمتنا، وإنْ لم تفاجئنا، أحداث مجازر سريلانكا. هؤلاء الناس الأبرياء البسطاء ضحايا العمل الإرهابي قُتلوا غيلةً وغدرًا" (٢)، ولنا أن نتساءل؛ هل الذين تم نحرهم في سجون السعودية في جنح الظلام ومن دون علم أسر الضحايا حيث صُدموا فجأة بسماع الخبر خلال نشرة أخبار تلفزيونية له معنى آخر غير "الغيلة" و"الغدر"؟

ولقد أصدرت منظمات حقوق الإنسان بعض تفاصيل الغيلة والغدر هذه قائلةً: "من بين الإعدامات الصادمة إعدام الشهيد حيدر محمد آل ليف، الذي قالت السعودية في رد لها على الأمم المتحدة في ١٣ ديسمبر ٢٠١٧، أنه صدر بحقه حكم نهائي بالسجن لمدة ٨ سنوات" (٣)، فذبح غدرًا دون سابق إنذار أوتمهيد لعائلته.

كذلك يصف كبير الإعلاميين السعوديين الضحايا السريلانكيين بأنهم كانوا اُناسًا أبرياء وبسطاء، ولنا أن نذكر هذه الفقرة من التقرير الحقوقي: " إن بعض التهم التي وجهت بحق من أعدموا لم تصنف من ضمن الجرائم شديدة الخطورة أو الإرهابية، مثل حق التعبير والتظاهرات والتجمعات السلمية..كما ورد أن لبعضهم تهم تتعلق بنشر التشيع وممارسة أنشطة دينية اعتيادية تخص الشيعة في محافظة جدة بالسعودية”. (٤) وفيهم حدّث في السن وقاصرون، ومعاق ومن ذوي الهمم، وبعضهم الآخر فقراء رفعوا صوتهم على أمل الحصول على حياة كريمة، (٥) فـما الذي يجب أن يفعله المواطن البسيط الذي يمارس نشاطه الديني أو يطلب حقه في المعيشة أو حتى يعبِّر عن رأي سياسي -اتفقنا معه أم اختلفنا- لكي يلفت إنسانية الأستاذ الراشد؟

وما الفرق بين (السعودي) والسريلانكي الذي كان يمارس طقوسه الدينية سواء داخل كنيسة أو قابعا في بطن فندق؟

ولكن ثمة اتفاق مع مقولة "الراشد" في هذا المقطع: ".. وحروب الإرهاب أخطر من حروب القبائل والدول"(٦)، وبناءًا عليه؛ لابد من إيقافها من جذورها؛ بدءًا بـ الإرهاب الحكومي الذي حزّ رؤوس الموقوفين دون محاكمة رسمية مستوفاة للشروط وبدون حق دفاع، ومن ثم الإرهاب الداعشي في سريلانكا والبقع الأخرى.

وعليه فإن العالم المتحضِّر لابد أن يبحث عن وسيلة لإدانة الإرهاب الحكومي ووضعه في مصاف الإرهاب الداعشي، لأن كليهما ارهاب. كما أنه لو جُفِّفَ الإرهاب الحكومي، فإن وحل الإرهاب الداعشي سيزول تلقائيًا.

ولم يستطع الإعلام السعودي أن يخفي طائفيته من خلال المقال الذي كتبه الكاتب السعودي (مشاري الذايدي) في صحيفة الشرق الأوسط؛ مبديًا امتعاضه على عدم اهتمام المحتجين على جريمة الذبح بكافة الإعدامات ومجموعها ٣٧ شخص، واقتصارهم بـ ٣٢ من النشطاء المدنيين بقوله: "حكم القضاء السعودي بإعدام ٣٧ من الشيعة والسنة أيضًا، لكن السنة «الإرهابيين» لا تُفضِّل «بي بي سي» ونسويات كندا وأميركا الحديث عنهم، وطبعًا كم شخصٍ من شيعة لندن المعادين". (٧)

 وكما يبدو أن هذا النَفَس الطائفي المبني على قاعدة " كلٌّ يرى الناس بعين طبعه"، قاده إلى ما يكتب؛ حيث زعم أن سبب اقتصار احتجاج المحتجّين على الـ ٣٢ دون الـ ٣٧ هو سبب طائفي، في حين ان الاحتجاجات كانت تقتصر على إعدام سجناء الرأي فقط دون إنتماءاتهم الطائفية، وقد حصلت احتجاجات مسبقة على استهداف أصحاب الرأي من طوائف أخرى، وبما أن ديدن الحكومة السعودية في تنفيذ الاعدامات هو التعمّد في خلط المدانين بقضايا متفرقة مع سجناء الرأي، فذلك أعطى فرصة للإعلام الطائفي أن يرسم هذه الصورة المشوّهة.

وإن تعجب فلا عجب مما اقترفته السعودية، فهي لم تدّعي "المدنيّة" ولا "التحضّر"، فلماذا لا تتحدّى المتحضرين بإنشاء "مجزرة" تفتقد أبسط قواعد الأخلاق والإنسانية فضلًا عن أصول الحكم والقضاء، -من طريقة الجريمة وحتى كيفية عرضها وإعلانها- ولكن العجب من العالم المدني في القرن الواحد والعشرين وهو يتعامل مع نظام يمارس سياسة أنظمة القرون الوسطى، إلا أن العجب سرعان ما يزول إن عرفنا أن لِـ "المال" قدرة يستطيع من خلالها شراء "المتحضِّرين" وتسخير "المتمدِّنين".

من هنا نؤكد أن المطلب الأساسي الحالي هو "حقن الدماء" وابتكار واستعمال استراتيجيات مختلفة لتجنب المزيد من هدر الدماء البريئة؛ ذلك لأن ما يُسمّى بـ "الحِراك الشعبي" أو مثيلاته كان يمكن أن يترك أثرًا لو أن الطرف المقابل يتمظهر ولو شكليًّا بـ "المدنيّة والعقلانية"، فـ في النماذج؛ التونسية والمصرية والجزائرية والسودانية؛ رغم شدة القمع فإن أنظمتها لم تتصف بـ "البداوة" المطلقة، بل كان نوع من التفاهم حاكمًا، ناهيك عن غياب الشحن الطائفي في تلك الأنظمة، لكننا في الحالة السعودية أمام استهتار متعمد وعنيد وبصبغة شمولية وإيديولوجية تواجه كل صوت معاكس - ولو على مستوى كتابة "تغريدة" على تويتر أو "بم تفكر" على فيسبوك أو "دردشة" على واتساب - بـ الذبح والصلب العلني، كما حصل عند أحد المغدورين الـ ٣٢ الذي نُحر بسبب تغريدة على صفحته. (٨)

وعليه فإنَّ الخيار الأنسب لمطالبة الحقوق ؛ يكمن فيما أسميه بـ "الانتظار الحزين" أو حسب التعبير الشائع "النضال السلبي"، وهو نوع من أنواع "العصيان المدني" وذلك بشكلٍ غير مباشر، وهوما يُسمّى في الشرائع السابقة بـ " الصوم عن الكلام"، ذلك لأن أي نشاط أو حركة تعتبر هدية مجانية لـ "السيّاف" الذي ينتظر السفك على الشبهة والظنة، حيث كما يبدو إن ارتكابه المجزرة بهذه الطريقة وفي هذا التوقيت، كان يهدف لإثارة وتهييج الرأي العام لتحقيق غرضٍ ما، ولكن ما قام به أبناء الشرق من الجزيرة العربية يدل أن ذلك الإرعاب لم يترك مفعوله وذلك من خلال إبداعه طريقة جديدة في إعلان الرفض، وهي طريقة الأئمة الأطهار من الإمام الرابع علي بن الحسين السجاد وحتى الإمام الحادي عشر الحسن بن علي العسكري سلام الله عليهم جميعًا، في زمن الحكومات المستهترة بالدماء.

وما "النضال السلبي" إلا حالة مؤقتة عند الشعب المغلوب على أمره، وهو سبيل المُضطر حتى يُكشف عنه السوء ويحوّله إلى نضالٍ إيجابي. وما فرج السماء عنه بـ بعيد.

..........................................

الهوامش
(١) تقرير: "السلطات السعودية تمنع إقامة العزاء على أرواح ضحايا الإعدام الجماعي وتفرّق التجمعات"، عن موقع مرآة الجزيرة، بتاريخ ٢٧ أبريل ٢٠١٩
(٢) عبد الرحمن الراشد؛ "سريلانكا ومعركة المائة عام"، صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ ٢٣ أبريل ٢٠١٩
(٣) تقرير المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، موقع مرآة الجزيرة بتاريخ ٢٤ أبريل ٢٠١٩
(٤) نفس المصدر.
(٥) تقرير: "«منير آدم»... الشهيد الذي لم تشفع له إعاقته"، وتقرير: "«الشهيد آل سريح» يأخذنا في جولة في منزله الخربة: هل هذه عيشة مواطن سعودي؟"، عن موقع مرآة البحرين بتاريخ ٢٤ أبريل ٢٠١٩
(٦) عبد الرحمن الراشد؛ "سريلانكا ومعركة المائة عام"، صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ ٢٣ أبريل ٢٠١٩
(٧) مشاري الذايدي؛ " هل حسين آل ربيع ناشط مدني؟"، صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ ٢٦ أبريل ٢٠١٩
(٨) تقرير: "قصة الشهيد «المتعاطف مع البحرين»... الحواج الذي مات بالسيف"، عن موقع مرآة البحرين بتاريخ ٢٤ أبريل ٢٠١٩
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

7