تصاعدت الحوادث الإرهابية مؤخرا، واتخذت منحىً عالميا ذا صبغة دينية في الأغلب الأعم، مثال ذلك ما حدث في 15 من آذار العام الجاري، من استهداف لمسلمين يؤدون الصلاة بالمسجد في نيوزلندا، وراح ضحيته أكثر من 50 شخصا بريئا، لا علاقة له بالتطرف أو تغيّرات البوصلة السياسية!.

قبل أيام قليلة تم استهداف ثلاث كنائس في كولومبو عاصمة سريلانكا، في حادث إرهابي مشابه لاستهداف المساجد، وهذا يدل على تصاعد الهجمات الإرهابية على دور العبادة، على الرغم من أنها ذات طابع ديني قد لا يتداخل مع الأهداف والمصالح السياسية.

يقول العلماء المختصون إن الإرهاب والاستخدام المنهجي للإرهاب، هو عبارة عن وسيلة من وسائل الإكراه في المجتمع الدولي، والإرهاب لا يوجد لديه أهداف متفق عليها عالمياً ولا ملزمة قانوناً، وتعريف القانون الجنائي له بالإضافة إلى تعريفات مشتركة للإرهاب، تشير إلى تلك الأفعال العنيفة التي تهدف إلى خلق أجواء من الخوف، ويكون موجّهاً ضد أتباع دينية وأخرى سياسية معينة، أو هدف أيديولوجي، وفيه استهداف متعمد أو تجاهل سلامة غير المدنيين.

من جهة مقارِبة التطرّف هو تعبير يستعمل لوصف أفكار أو أعمال ينظر إليها من قبل مطلقي هذا التعبير بأنها غير مبرّرة من ناحية الأفكار، ويستعمل هذا التعبير لوصم الأيديولوجية السياسية التي تعدّ بعيدة عن التوجه السياسي للمجتمع، ومن ناحية الأعمال، يستعمل هذا التعبير في أغلب الأحيان لوصم المنهجيات العنيفة المستعملة في محاولة تغير سياسية أو اجتماعية.

الإرهاب أو أحد مخرجات التطرف، وقد يكون من أخطر مخرجاته، بالأخص حين يستحيل إلى ظاهرة عالمية، ولكن لماذا يتم استهداف دور العبادة على وجه التحديد بهذه الكثافة التي تثير الغرابة؟، هل لأنها الأماكن الرخوة من حيث الإطار الأمني، أم هناك سبب آخر؟

استهداف دار عبادة في فعل إرهابي، هدف مدروس ومخطط له، ولو توافر للمنظمات الإرهابية في الغرب والشرق خيارات استهداف لأماكن متعددة، فإنها ستختار دور العبادة لأسباب كثيرة، منها مثالا، يأخذ الاعتداء على دار للعبادة طابع التأثير الشمولي أكثر من استهداف أي معلَم أو مكان آخر حتى لو كانت رمزيته السياسية أو الاقتصادية عالية.

يتصوّر الإرهابيون بأن استهداف كنيسة أو مسجد يفوق في تأثيراته ما حدث مثلا لبرج التجارة العالمية في أمريكا في هجمات أيلول المعروفة، قد يكون هذا النوع من التفكير هو أحد أهم الأسباب التي تدفع بالإرهابيين لاستهداف دور العبادة أكثر من غيرها، ومن الأسباب الأخرى ذلك البعد الطائفي الذي سيبقى متأججا ومتفاعلا مثيرا ضغائن وأحقاد لا حدود لها تديم أوار نار التطرف وأحداثه الإرهابية.

قد تكون هناك دوافع سياسية يتم توظيفها لإدامة ماكنة الإرهاب، فالمعروف أن بعض الجماعات الدينية من مختلف الأديان هي الأدوات التي يتم من خلالها ضرب الآخر وإلحاق الأذى النفسي والمادي والمعنوي به، بمعنى هنالك دوائر مخابراتية تعود إلى حكومات ودول وأقطاب عالمية تتحكم بالسياسة العالمية والعلاقات بين الدول والشعوب الغربية والشرقية أو على نحو أعمّ بين الشرق والغرب، تلك الدوائر المدرَّبة تتبنى التخطيط والتمويل بأساليب مباشرة وأخرى متخفيّة، لتصبح المنظمات والتنظيمات الإرهابية أدوات لتنفيذ مآربها الضاربة للطرف المضاد.

ضرب دور العبادة عبر الإرهاب اتخذ طابعاً تبادلياً أو ثأريّاً، هكذا يمكن قراءة ما حدث في نيوزلندا يقابله ما حدث في سريلانكا، في الحادث الإرهابي الأول الذي قام به المتطرف الأسترالي كان الضحايا من المسلمين مرتادي المساجد كدور عبادة، وفي الحادث الإرهابي الثاني القريب الذي حدث في سريلانكا كان ضحاياه من المسحيين مرتادي الكنائس، هذه المقاربة توحي بأن الإرهاب العالمي دخل في حروب سجالية متبادَلة يأسرها نظام أو قانون الفعل ورد الفعل.

هذه السلسلة من الحوادث الإرهابية قد لا نعثر لها على بداية، فيما عاش العالم عذابات وآلام استمرارها، ولكن يمكن أن نضع لها نهاية لخلاص الأبرياء من دوّامة الإرهاب، والحلول معروفة وجلّها يكمن في وأد التطرف وأسبابه وأدواته، لكن تطبيقها هو العقبة الكبرى التي تزيد من أوار الجرائم والأحداث الإرهابية.

هناك حرب بين الشرق والغرب، طابعها الأشد سطوعا المصالح السياسية التي تغطّى بأغطية دينية، تسعى لإثارة الفتن بين الطرفين هنا وهناك، يدخل في هذه الدوامة محاولات حرق نسخ من القرآن في الدنمارك وغيرها، ومنها الرسوم المسيئة لشخص الرسول (ص)، يقابلها تفجيرات طالت الكنائس في مصر وغيرها وفي سريلانكا اليوم.

إنها دوامة الحرب السياسية المغطاة بخلفيات دينية، يغذيها التطرف، ولكن من يغذي التطرف؟ ومن يضبط إيقاعهُ العالمي، سلسلة الصدامات الإرهابية هذه سوف تستمر وقد تأخذ خطّا بيانيا متصاعدا، ما يدور حول العالم من أحداث وعلامات ينبئ بذلك، ما لم تتوازن المصالح وتثبَّت ركائز التعايش العالمي، وتوازن الحقوق والمكتسبات في إطار الدول داخليا، وفي إطار العالم أجمع، ستبقى هذه الهجمات الإرهابية مستمرة، وسيكون الأبرياء وقودها الدائم.

عقلاء العالم وحكماؤه هم وحدهم القادرون على ردم الفجوة والطبقية التي تسود عالمنا، وهم قادرون على إطفاء نيران التطرف شرقا وغربا، نحتاج إلى خرائط عمل عالمية متعاونة ومنفتحة على بعضها حتى ننتشل أنفسنا وأجيالنا القادمة من غول التطرف، وتغوّل الإرهاب.    

انقر لاضافة تعليق
باتريشيا شومان
الارهاب لادين له ولا وطن ولاضمير2019-04-24

مواضيع ذات صلة

1