قال الأديب نجيب محفوظ "العقل الواعي هو القادر على احترام الفكرة حتى ولو لم يؤمن بها"، والفرد في كل مرة يحاول أن يضفي شيء من أفكاره على الفكرة الأساسية وان كانت أفكاره لا تتناسب مع هذه الفكرة، وبين الفكرة الأم الناجحة واغلب الأفكار المقتبسة منها هفوات وانحرافات وضعها الفرد المتطفل على الفكرة الأصلية من اجل جرها الى أهوائه او محاولة منه لحرف مسارها لأجل هدف ما او أنها تشكل خطرا عليه او على من ينتمي لهم بشكل وأخر، فنجد التغييرات والإضافات مستمرة وفي جميع النواحي ولكن منها الايجابية والسلبية، وفي اغلب الأحيان يتم سحب الفكرة الناجحة الى ابعد نقطة فيها لتفريغها من محتواها الناجح لتكون تطرف صريح.

وعلى جميع المستويات ترى هذا الحال الطارئ على الفكرة البكر فقد انقسمت الأديان الى مذاهب والسياسة الى أحزاب وتكتلات يمينية ويسارية والمدرسة العلمية الى مدارس متعددة لها إيمانها العلمي الخاص والصراع الاقتصادي في الوقت الحاضر مثلا الى اشتراكي ورأس مالي ويستمر هذه الانشطار في كل مجال.

وفي مناسبات عديدة نجد للاختلاف منافع كثيرة وبالأخص على المستوى العلمي وان هذا التنوع خلق روح المنافسة بين جميع الأطراف للوصول لنتائج ايجابية لها فوائدها، ولكن هذا التنوع له مساوئ كارثية أيضا وتجد الأسوأ فيها بالاختلاف الديني المذهبي فقد تحول الاختلاف هنا الى خلاف بشع فهو أشبه بهيروشيما وتصيب المجتمعات فانك ومن الممكن تغيير رأي الإنسان عن اي فكرة كانت الا العقيدة ما عقد عليه قلبه ولسانه فلا تستطيع بسهولة وهنا يدخل جانب العنف كوسيلة لفرض الأفكار.

وبسبب الأفكار العوجاء تغيرت عدة أمور وواقعنا أصبح لا يطاق من كثرة الأفرع التي خرجت عن الشجرة الرئيسية وعكست هذا على المجتمع ليحول البشر الى وحوش مؤمنون بأفكار غريبة ليس لها أساس فهنالك من يظن انه الوحيد الذي سيدخل الجنة وباقي البشر عبارة عن حطب لجهنم وهنالك من يظن انه شعب الله المختار وقرر ان تكون له ارض من البحر للنهر والأمثلة كثيرة.

فهنالك من يقفز على النص ويسحق كل من يقف أمامه حتى اذا كان كتابه المقدس (الإنجيل) وهو الكتاب الذي غصت سطوره بالمحبة والسلام والخير، وسنسلط الضوء على أخر الأحداث التي هزت الرأي العالمي والتي سببها التطرف والعنجهية والأفكار الدخيلة التي لا يقبلها اي عقل او دين.

أولها مذبحة نيوزلندا التي راح ضحيتها 50 مسلم التي قام بها الإرهابي الأسترالي "برينتون تارانت" الذي ينتمي لليمين المسيحي المتطرف، وتصور عزيزي القارئ انه وقبل ان يقوم بعمله الإرهابي وجه رسالة لأصدقائه الذين على شاكلته جاء فيها "إنكم جميعا من أفضل الرجال وأفضل مجموعة من الأشرار يمكن أن يحظى بها رجل، مضيفا "إذا لم أنج من الهجوم، فالوداع.. أترككم برعاية الرب"!، وكأنه لم يقرأ (طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ) (متى 5: 9).

وقد حياه بعض أعضاء المنتديات على شبكات التواصل و وصفوه بــ"البطل"! الغريب أنه في مطلع مقدمته لبيانه الذي نشره قبل الجريمة قارن نفسه مع نيلسون مانديلا، وقال "أتوقع أن يتم الإفراج عني بعد 27 عاما في السجن، وهي عدد السنوات التي قضاها مانديلا في السجن للجريمة نفسها".

لا اعرف اي دين او اي توجه او اي منطق يتفاخر بالشر ولا اعرف عند اي رب يود ان يترك أصدقائه يرعاهم! نعم انه رب الأفكار الشاذة التي ترعرعت في العقول التي حاولت إضافة شي على الفكرة الأساسية فهو على نمط بعض من يدعي الإسلام الذين يقفزوا بين السطور القرآنية الكريمة ليختاروا ما يملي عليهم فكرهم الشاذ، فهم يفجروا أنفسهم في الأسواق والمدارس والشوارع العامة والمساجد و يصرخوا الله اكبر وكأنهم لم يمروا على الآية الكريمة التي تقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (البقرة 208).

وعند الاطلاع على جميع الدساتير في العالم ستظن انك تتمشى بحديقة خضراء تفوح منها رائحة الحقوق والإنسانية والعدل والمساواة ولاسيما الدستور الأمريكي، والكل يعلم ان هذه الدساتير هي عبارة عن حبر على ورق والسائد هي قوانين الغاب التي وضعها المتسلطون أصحاب الأيديولوجيات الذين تعلوا أفكارهم الشاذة على جميع القوانين في العالم وبالقوة.

اما الحدث الثاني فهو الهدايا التي يوزعها "دونالد ترامب" على الصهاينة المحتلين من الأراضي العربية، ابتدءا يعترف بالقدس أنها عاصمة للكيان الإسرائيلي وبعدها ينقل سفارة بلده اليها وقبل أيام قليلة يهبهم الجولان السورية وعلى هذا المنوال يهب الملك ما لا يملك، وهذا لأنهم على نفس الفكرة والنهج المنحرف ويلعبون في فريق واحد اسمه النادي الصهيوني ذو الأفكار المتطرفة التي خرجت عن مسار الديانة اليهودية.

ولكم احد معتقداتهم وعلى لسان حاخامات صهاينة: "كل العالم لا يُسمّون بشراً، بل هم حيوانات وعبيد لنا وخُدّام لمصالحنا ويبنون لنا المساكن"!.

والأفكار الأغرب من هؤلاء الحاخامات هي الأفكار التي تنادي بالتطبيع مع هذه النماذج، ونتمنى لكل المطبعين بتطبيع حيواني مريح.

وختاما ان الفكرة كالمشروع تنجح وتصل لأبعد مدى إذا اكتملت أركانها وإذا ما أراد المجتمع التخلص من الأفكار السيئة التي جعلت من الحياة نعيم للبعض وجحيم للبعض الأخر علينا استذكار ما قال المؤرخ الفرد ويتني جريسولد "على مدى التاريخ، كان السلاح الوحيد دائماً لمحاربة فكرة سيئة هو فكرة أفضل منها".

....................................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0