منذ عام ١٩٢٥ م وإلى اليوم لاتزال القباب خلف السحاب تنتظر حلم البناء من جديد..

وفي الإعلام السعودي؛ لا يكاد اسم البقيع الغرقد يذكر إلا في موسم حج أو زيارة وفد أو نحوه..

ولربما حدثت حادثة ما هناك فسلّط الإعلام صورته في القلوب، مع ذاك الحلم الراقد تحت رماد الهدم قرابة القرن من الزمن ينتظر لحظة الاستيقاظ ليُبنى من جديد..

آمال وأحلام تقترب من البزوغ فهذا الفجر قد لاح، وعلينا إيقاظ الشمس لتشرق من جديد بانتهاز أي فرصة تلوح في الأفق البعيد..

بداية لابد من هذه المقدمة المختصرة عن السعودية وبداية عهد نشوئها وكيف قامت وعلامَ.

إن محاربة ما يُنعت بـ (الشرك) -حسب القراءة الوهابية الحنبلية- في شبه الجزيرة العربية كان الشعار الأساس الذي قامت عليه الدولة السعودية بيد محمد بن عبد الوهاب في القرن الثامن عشر؛ وكان حجر الأساس لذلك يتمثل في هدم الآثار الإسلامية لمهابط الوحي والتنزيل وبيوت ٍأذِنَ الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه، وقد أورد المؤرِّخون النص الصريح لذلك في باكورة مشروع تأسيس النظام السعودي بهذه العبارة: "ان عبادة الأولياء شائعة في مختلف أنحاء الجزيرة العربية ولذلك قام المشروع لإزاحتها". (١) أي ان الباعث من إقامة السعودية هوباعث إيديولوجي بحت وقد صُبغ بصبغة إلهيه حينما أضافوا: " إن هذا الحدث [توحيد جزيرة العرب] كان عملاً إلهياً أكثر من كونه حدث تأريخي"! (٢). وعليه من الخطأ أن يُتصوّر أن الحكومة السعودية شيء والوهابية شيء آخر.. ولكن كما أسلفت من قبل في مقالة تحت عنوان "المد والجزر السعودي تجاه الشيعة"؛ إن العوامل السياسية والاجتماعية تفرض على الدولة الوهابية أن تغض الطرف عن بعض ما أوهمت الناس به لغرض المُلك.

من هذا المنطلق تعرّض البقيع للهدم عام ١٩٢٥م وإلى اليوم لا تزال عملية الهدم مستمرة، بيد أن بعض التغييرات قد حدثت داخل السعودية في الآونة الأخيرة على صعيد تغيير بعض المظاهر والشكليات داخلياً، وإعادة النظر في العلاقات الإقليمية خارجياً، ومن هنا نجد أن هنالك فرصة لإعادة بناء البقيع بعد انفتاح الأخير للبلد وحدوث تقارب سعودي عراقي لم يُعهد من قبل..

لقد منح التقارب العراقي السعودي فرصة لفتح بعض الملفات التي تخص الطائفة الشيعية، إذ أن العراق اليوم يحتل منزلة خاصة لم تكن موجودة عند جارتها إيران. وقد ذكرتُ في مقال سابق أيضاً أن هنالك فرصة لم تُنتهز بعد لفتح ملف البقيع الغرقد، وعلى العراق أن يبدأ خطوة الألف ميل بوثبة واثقة واعية وبحنكة وحكمة.

لو ألقينا نظرة على الإعلام السعودي وبحثنا عن كلمة "البقيع" فيه؛ وذلك بغض النظر عن الوثائق التأريخية الرسمية وغير الرسمية القديمة التي تتحدث عن هدم البقيع وتبعاته؛ لرأينا أن للبقيع اليوم حضوره الواقعي في الإعلام بين الفينة والأخرى. مثلاً: ظهور اسم البقيع حينما يتحدث الإعلام عن موضوع السماح للحجاج بزيارة البقيع أو عدمه، وكذلك موضوع منع الزيارة وتشديد الخناق على الزوار وإغلاقه بين فترة وأخرى. ومثال آخر: عند حدوث أي أمر في تلك البقعة الطاهرة مثل الأحداث التي شهدتها المدينة المنورة قبل عشرة أعوام (بين ٢٠ و٢٤ فبراير لعام ٢٠٠٩)، وذلك حينما قام فرد من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - وهي مؤسسة سعودية رسمية- بتصوير مجموعة من النساء خلال زيارتهنّ للبقيع، وقد أدى ذلك إلى إحتجاجات وإعتقالات، والتي أظهرت اسم البقيع من جديد وأعادت الزمن إلى عام ١٩٢٥ م حين بدأت المعاول السعودية في محو الآثار الإسلامية في بلاد الحرمين. والخلاصة؛ إنه بعد مرور عقد كامل على حادثة ٢٠٠٩ م وحتى الساعة لا يزال الإعلام السعودي يذكر هذه البقعة..

ورغم ان الممارسات التي يقوم بها الحجاج والزوار في زيارة أئمة البقيع هو أمر مخالف تماماً للقراءة السلفية الرسمية، فإنَّ للسياسة دورها في تغيير القرارات. حيث يُسمح أحيانًا بالدخول إلى رحاب البقيع، أو يُسمح للوفود أو الشخصيات السياسية الزائرة بحمل كتيب لقراءة الزيارة والمكوث لفترة طويلة، والجلوس وتقبيل الثرى الطاهر، كما حصل للسيد مقتدى الصدر، والشيخ هاشمي رفسنجاني أثناء زيارتهما.

وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أن السلطات السعودية تتعامل بمرونة تجاه معتقداتها السلفية الجافَّة وفقاً لمصالحها. من هنا وبناءاً على ملاحظة هذه المرونة -إن صحّ التعبير- يُمكن تسليط الأضواء عليها أو جعلها تحت المجهر، ومن ثم فتح ملف إعمار البقيع، ويُمكن ذلك بـ خطة عمل عراقية مدروسة، فـ كما أن العراق قد لعب دورا في فتح أبواب البقيع بعد تسويره وإغلاقه وذلك حين توسط للحجاج الإيرانيين (٣)، فـ يمكنه أيضا أن يواصل هذا الدور، وبذلك سيلعب دورا تاريخيا وفريدا في نوعه.

هذا الدور ليس حكراً على الجهات الحكومية فقط، إذ ان للجهات الأهلية أيضا أثرها الفاعل؛ من مؤسسات، وشخصيات، ومرجعيات، ونُخَب وحتى أفراد. إذ أنهم يؤدون ما باستطاعتهم في اليوم الثامن من شوّال لكل عام، لكن لابد من التوسُّع وعدم الاقتصار على ذكرى الهدم السنوي الذي بدأ منذ عام ١٣٤٤ للهجرة ونحن على أعتاب مئويته فحري أن نسعى للبناء قبل بلوغ القرن الأول من ذكرى الهدم!

ختاماً؛ إن الفرصة لبناء البقيع مؤاتية؛ وهي بمثابة إيقاد شمعة في الظلام، خصوصاً مع الانفتاح في مجال الترفيه والسياحة وأيضاً مع وجود التقارب العراقي السعودي والمرونة في الممارسات الدينية وفق المصلحة السياسية أو الاقتصادية والاجتماعية، عليه إن قامت الجهات المعنية بهذه الخطوة الجريئة الصريحة بحكمة وحذق فإنها ستُخَلِّد ذكرها، وقبل ذلك ستقوّي اسم ملكها وتربطه بمُلك سليمان حسب الحديث النبوي الشريف: "يا علي، مَن عمَّر قبوركم وتعاهدها فكأنما أعان سليمان بن داود على بناء بيت المقدس". (٤)

................................
الهوامش؛
(١) خالد الدخيل؛ الوهابية بين الشرك وتصدّع القبيلة، ص ٢٧٩
(٢) نفس المصدر؛ ص ٢١
(٣) "مقبرة البقيع.. مؤشر العلاقات السعودية الإيرانية"؛ عن موقع عرب٤٨ بتاريخ 16/08/2017
(٤) الشيخ الطوسي؛ تهذيب الأحكام، ١٠٧/٦

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0