كل عضو يتكون منه جسم الإنسان مهم وله دوره في إدامة الحياة بصورتها الطبيعية، ولكن هناك عضو يكتسب أهمية عليا تفوق جميع أعضاء الجسد ونقصد به (العقل) الذي يقود العمليات العضوية والفكرية، لينتج عن ذلك إنساناً حيوياً فاعلاً أو فاشلاً تبعاً لمزايا العقل وقدراته.

العقل الذي يعتلي قمة الهيكل الإداري للجسد، لم يكن سيداً بذاته أو بقدراته الطبيعية وحدها، إنه يحتاج إلى معارف وخبرات وتجارب ومساعدات فكرية وتربوية تجعله جديرا بقيادة الجسد أو الإنسان، وهذا ما يُطلَق عليه بالتعلّم واكتساب العلوم والأفكار وتجييرها لصالح تميز الإنسان وتطوّره وتفوقه في حياته.

في مقابل العقل هنالك الغريزة التي عادة ما تشكّل الندّ أو النقيض الذي يذهب إلى هدر طاقات العقل إذا أفلت الإنسان زمام السيطرة على غريزته أو مجموعة غرائزه التي تدفع نحو الانبهار المادي والضياع في عالم الأشياء، وهذا يؤدي إلى مظاهر مادية مبهرة لكنها قشرية تؤدي بالنتيجة إلى ضعف أو بلادة العقل.

أسباب النزوع الجمعي نحو القشرية المادية والتيه في عالم الأشياء كثيرة ومتعددة، منها طبيعة عصرنا الآن، عصر الغرفة العالمية الواحدة، وانكشاف الثقافات والمجتمعات أمام بعضها، والتأثّر بالآخر في سلوكه المادي، في حين أن التأثر والتقليد يجب أن يأتي عبر قناة الاستفادة من تجارب الآخر وليس تقليدا له، كما أن التأثر يجب أن لا يقف عند حدود المادية السطحية أو القشرية، وإنما المطلوب هو التأثّر الفكري والثقافي العميق بالآخر.

ومن الأسباب التي تدفع بالعراقيين نحو النزعة الاستهلاكية المادية، هي محاولة التشبّه بالثقافات الأخرى وخصوصا الغربية، وهناك شعور بالدونية تجاه الثقافات الأخرى تدفع بنا إلى التماثل مع الآخر، ويعد هذا السبب أو الأكثر بروزا وتأثيرا في دفع الشباب نحو التقليد البليد وإنهاء دور الابتكار بعد أن يصبح العقل الشاب مغرما بالنموذج الغربي المادي، مبتعدا عن العمق في جانب الابتكار والخبرات المهمة.

ومن الأسباب الأخرى آفة الفراغ، وضآلة حضور الأصالة في التأثير على العقول وخصوصا الشباب، ففي ظل النوافذ الإلكترونية الهائلة وتعددها وتنوعها، وتحت ضغط قلة فرص الإبداع والعمل وتحقيق الذات، وسطوة البطالة، ماذا يفعل الناس وخصوصا صغار التجربة والأعمار الشباب تحديدا؟، في هذه الحالة يندفع هؤلاء على ملء فراغهم بطرائق خاطئة أكثرها خطورة التقليد المادي السطحي للآخر وإشباع حاجة العقل الفكرية بالتوافه، وتقريب المادية وجعلها حالة تعويضية تملأ المساحات العقلية الفارغة من الفكر والإبداع والابتكار، وهكذا يصبح العقل ماديا تقليديا بليدا لا تثيره الأفكار الجديدة ولا يعنيه التطور العميق.

ينتج عن ذلك عقل يحمله إنسان لا تعنيه سوى المظاهر المادية، ولا يعنيه الفكر أو الثقافة من قريب أو بعيد، وكل الخطر يكمن في كون هذا الإنسان رب أسرة وقائم على تربية أفراد العائلة أبنائه أو بناته وحتى زوجته، لأن الطابع المادي الاستهلاكي للأب سوف ينتقل إلى أفراد العائلة، وإذا انسحب ذلك على مجموع العائلات التي يتكون منها المجتمع فإننا في هذه الحالة سنكون أمام عقل جمعي مجتمعي مادي مستهلك بليد منبهر بالسطحية ويميل إلى المظاهر المادية بقوة على حساب بناء العقل المفكر الواعي المثقف المبتكر والمنتِج.

وهكذا سوف ينصبّ تفكير الإنسان على كيفية تطوير نفسه وعائلته ماديا وإهمال الجانب الوعي والثقافة والابتكار والإبداع، وهذا يعني أننا بالتقادم السريع والتأثرّ المعدي سوف نكون أمام مجتمع مادي سطحي بعقل يميل إلى الدِّعة والراحة والملذات، ويقلد الآخر، ويذهب في إغفاءة طويلة عن التطور المذهل والسريع الذي يسري في عموم العالم كالنار في الهشيم.

خطورة هذه الظاهرة (الانبهار المادي الاستهلاكي) تكمن في تحويل المجتمع والشباب إلى عقول تفكر بالمادة وتقتل فيهم روح التطور وتنعدم ثقافتهم، ويضمحل وعيهم وتذوب أصالتهم، وهذا أخطر ما يصيب العقول الشبابية التي تبحث عن ملْء فراغات العقل ولكن بطرائق ساذجة تضع بينهم وبين التطور حواجز وأسوار شاهقة من المادية الاستهلاكية الغازية من النموذج الغربي أو سواه.

ماذا علينا أن نفعل كي نحد من هذه الظاهرة أو نقضي عليها، حتى نجعل العقل الجمعي لمجتمعنا من كل الفئات شباب وغيرهم عقلا عصريّا يجاري عقول الأمم والشعوب المتقدمة؟، بالطبع هذه ليست مهمة سهلة، ولا يمكن أن تُقدَّم لنا على طبق من ذهب أو فضة أو بلا جهد علمي منظّم، إننا كعراقيين نقف اليوم أمام هذه الظاهرة الخطيرة ونستشعر كوارثها، ونعرف أسبابها، فما الذي يجب أن نقوم به؟.

هذا السؤال يجب أن يضعه العقل العراقي أمامه بقوة، وعليه أن يجيب عليه بوضوح وعلمية، ولنختصر ذلك بفحوى هذا السؤال، كيف وما الذي يجب علينا فعله كي نغادر أو نتخلص من سطوة العقل المادي؟، الجواب من وجهة نظرنا الشخصية يكمن في تطبيق الخطوات التالية:

- إرشاد الشباب وتنبيههم على خطورة هذه الظاهرة، النزعة المادية والانبهار بعالم الأشياء.

- المجتمع كلّه معني بهذا التنبيه من قبل المنظمات والمؤسسات المعنية في المقدمة منهم الشباب.

- التركيز على المؤسسات العلمية الجامعات والمراحل الدراسية على تحصين الطلاب من أضرار وشوائب هذه الظاهرة.

- منصات التواصل الاجتماعي لابد من الانتباه لها وتوجيهها في خطوات علمية منظمة وفق مساع استكشافية واستبيانات دقيقة ومن ثم إطلاق حملات منظمة للتوعية والتأثير.

- استثمار وسائل الإعلام كافة ومنصات التأثير المختلفة لرصد وشرح هذه الظاهر المادية وتقديم الحلول المباشرة.

- إقامة الندوات التنويرية لبناء شخصية شبابية واثقة تفهم تداعيات التقليد الأعمى للنموذج الغربي.

- توظيف المؤسسات والمنظمات والمنصات الدينية والثقافية لكشف تداخلات التوجّه المادي الاستهلاكي على حساب التفكير الإبداعي المبتكِر.

- تغيير المنهج الاقتصادي له دوره الكبير في معالجة هذه المشكلة الظاهرة، مثال ذلك عشوائية القروض غير المنتجة أو الاستهلاكية على نطاق واسع.

- سياسة الدولة لها تأثيرها الكبير في المعالجة أيضا، مثال ذلك عدم إغراق السوق بالسيارات المتضررة أو الحديثة بأنواعها وإشاعة النزعة المادية بين الشباب وغيرهم.

في المحصلة نقف اليوم كعراقيين أمام ظاهرة استثنائية يمكنها في حالة عدم التصدي لها وطرح حلول فعلية لمعالجتها، أن تتركنا نراوح في مكاننا أو تعيدنا إلى الوراء فيما العالم من حولنا، يتقدم في كل يوم خطوة جديدة في الفكر والإبداع والابتكار والتطور المبني على التوازن المادي الفكري.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2