ذهب رئيس عربي ثمانيني الى مستشفى اوربي لإكمال متطلبات العلاج هناك، وذلك لضعف الاجراءات الطبية في مستشفيات بلاده التي حكمها لأربع ولايات رئاسية متتالية، ومن هناك، في المستشفى الاوربي الافضل اعلن ترشحه لولاية رئاسية خامسة، واطلق وعداً بإصلاح جميع القطاعات الحيوية للبلاد بما فيها الصحة.

الرئيس لا يخرج الى أي شارع، فهو مقعد ولا يستطيع الكلام الا في اطار محدود، لكنه لا يزال الافضل بين جميع سكان البلاد، انه الشخص الذي انتخبته الثورة لتخليص الوطن من براثن التخلف، كما انه استطاع انهاء الفوضى الامنية التي تسببت بها الجماعات الارهابية خلال تسعينيات القرن الماضي.

يحق للرئيس ان يرفع شعار محاربة التخلف، لمدة ثلاثين عاما، وكذلك يحق له ان يعالج في مستشفى اوربي لان المؤسسات الصحية لبلاده التي يحكمها لا يوجد فيها مستشفى نموذجي واحد، انها تعيش في منطقة جغرافية بعيدة عن ركب الحضارة.

دَيّن على الوطن

انها قصة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، الذي غادر وسائل الاعلام لتدهور حالته الصحية، لكنه لم يغادر العرش حتى اخر نفس في حياته، لان الوطن مدين له، وعليه تحمل اعباء وجوده على قيد الحياة.

ما يحدث في الجزائر لا يختلف كثيرا عن البلدان العربية، فالرئيس هو الشمس التي لا تغيب، تدور الارض يوميا لكن شمس الصباح تعود الى سيرتها الاولى، يدعو الرئيس لاصلاح ما خربته اجهزة حكمه وما ان تسلط الاضواء على حاشيته حتى تسود حالة من التوتر والانهزامية امام مشروع الاصلاح.

المواطنون الذين سمعوا عن مشروع الاصلاح عبر القناة التلفزيونية الرسمية، خرجوا بتظاهرات داعمة للسيد الرئيس، اشتد ساعدهم وبدأوا يستطيعون التحدث مع الموظفين المتعفنين في مؤسسات الدولة من كثرة جلوسهم على الكراسي بدون عمل.

حرائق الاصلاح

بعض المتحمسين للإصلاح لا يعرفون انها سحابة صيف، يستمرون في حراكهم بينما يلغي الرئيس مرسومه في خطاب سري لا يعلن في التلفاز، بعد فترة يلقى انصار الاصلاح في السجن بينما تعلن نشرة الاخبار الرسمية يوميا عن قيام الرئيس باستقبال وفد رفيع تناول فيه اخر القضايا التي تهم المواطنين.

تواصل شمس الرئيس بالخروج والغياب مكونة الليل والنهار لوطن لا يريد الخروج من كوكب الجهل والتضليل الاعلامي والتسميم السياسي الذي لا تنفع معه عيادات اوربية او عربية، فالحالة العربية وصلت حدا تشبه فيه فاكهة تالفة، او خرقة تآمر عليها المناخ فجعلها غير قابلة للترقيع.

في البلاد العربية لا مجال للاصلاح، لا بد من اقتلاح جذور الافكار التي تمجد الرئيس الابوي، واقتلاع الافكار التي تتامل خيرا في نظم سياسية مستنسخة بطريقة رديئة من دكتاتوريات وأروبا في العصور الوسطى، ولا يمكن اجراء عمليات نسف الواقع المتعفن الا بنهضة تسبقها.

تعديل القواعد

عندما يقبل المواطن بنصف حل فعليه فهو شريك في جريمة ذبح الوطن، واذا ما اشترك في انتخابات لا تقوم على قواعد واضحة فهو فاسد مثل السياسي الجالس على العرش منذ سنوات، واذا ما رأيت مواطنا يقبل بوجود خط خاص لسيارات المسؤول في السيطرات الامنية والمؤسسات الرسمية فاعلم اننا امة تسير الى الوراء ولا تريد النظر الى المستقبل.

وما بين المواطن والسلطة هناك المثقف الذي يروج لفكرة "انا او الفوضى"، يخيفنا من مخاطر الخروج على الرئيس غير المرئي والصامت، والمتعفن منذ سنوات، فرغم ان البلاد لا توجد فيها قوانين، والموظف الحكومي يعتبر المؤسسة التي يعمل فيها وكانها ملكه الخاص، وحتى وان تحولت العشائر الى مجلس الامن تقرر ما يجب وما لا يجب، ياتي المثقف السلطوي ليقول ان سقوط الرئيس يعني ذهاب البلاد الى الفوضى.

ماذا يمكننا ان نسمي سيطرة العشائر والاحزاب والجهات المتنفذة على مراكز القرار، اليست هذه هي الفوضى؟ البلاد العربية تعاني من حالة مرضية مستعصية لا تحل في المستشفيات الاوربية، انما في تفعيل العقول الوطنية بعيدا عن استيراد الافكار والمنتجات، وانهيار حكم الرئيس غير المرئي لا يولد الفوضى، بقدر ما يؤسس لمرحلة جديدة من البناء.

انقر لاضافة تعليق
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
أحبائي
أكره حديث السياسة ولغو الكلام
لكن للحقيقة الفساد متغلغل في الموظفين والشعوب العربية قبل الحكام
المشرفون الحكوميون يشجعون الجمعيات علي تلقى الاموال المشبوهة ليشاركونهم الإقتسام
هذا الفساد كلنا نراه في الأماكن الرسميةونفعله بحجج مختلفة لتبريره وتبرئة انفسنا بالأوهام
وأقسم بالله العلى العظيم لو انخفض سقف الفساد في وطننا لعم الرخاء وساد الحب والسلام
احبائي
دعوة محبة
ادعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الارض
جمال بركات....مركز ثقافة الالفية الثالثة2019-03-05

مواضيع ذات صلة

5