سجّل التقرير الذي أصدرته مجلّة الإيكونومست البريطانية في نهاية العام 2018 أسوأ تراجع لمؤشرات الديمقراطية في العالم، وأشار إلى انحدار العديد من بلدان العالم منذ العام 2016 والتي قسّمها إلى أربع مجموعات، وهي: المجموعة الأولى- الأنظمة الديمقراطية الكاملة وتشمل 19 دولة تتربّع على رأسها الدول الاسكندينافية، وفي مقدمتها النرويج والسويد، إضافة إلى استراليا والأرغواي وتبلغ نسبة هذه الدول إلى دول العالم 11.4 بالمئة. أما المجموعة الثانية - فأطلق عليها التقرير "الديمقراطية المنقوصة" أو "المتصدّعة"، وضمّت 57 دولة، وبلغت نسبتها إلى مجموع دول العالم 34.1? وقد صُنّفت الولايات المتحدة من المجموعة الثانية، وكذلك فرنسا وإيطاليا والهند و"إسرائيل"، وكانت تونس من الدولة العربية الوحيدة، ضمن هذا التصنيف. المجموعة الثالثة- "الأنظمة الهجينة" وشملت 39 دولة ونسبتها إلى دول العالم 23.4 بالمئة وهي دول لا يمكن إطلاق وصف الديمقراطية أو الاستبدادية عليها، وإنما هي احتوت على عناصر من هذه وأخرى من تلك، تبعاً لمؤشرات الديمقراطية التي حدّدها التقرير. والمجموعة الرابعة- "الأنظمة التسلطية أو الاستبدادية" وعددها 52 دولة ونسبتها إلى مجموع بلدان العالم 31.1 بالمئة.

وجاء ترتيب البلدان العربية بين المجموعتين الثالثة والرابعة. وخلُصَ التقرير الذي درس حالة 167 دولة إلى استنتاج مثير مفاده انحسار الديمقراطية حيث لاحظ أن 89 دولة منها تغيّرت مراكزها وترتيبها الديمقراطي بما فيها بعض الأنظمة الغربية، تبعاً للمعايير التي استند إليها، وذلك حسب اقترابها أو ابتعادها عن المؤشرات التي وضعها. ويثير الحديث عن الديمقراطية الكثير من الأسئلة ذات الطابع النظري والعملي في آن، فهل هي " أيديولوجية" جديدة بعد فشل الأيديولوجيات والتجارب القومية والاشتراكية والإسلامية؟ أم هي وسيلة تقوم على آليات وأساليب حكم بغض النظر عن الأيديولوجيات؟ والأمر يتعلّق بالاحتكام إليها لتفعيل إرادة الناس وحريّاتهم وحقوقهم في اختيار ممثليهم بانتخابات حرّة ونزيهة وفي إطار من المساواة، مع تأكيد حكم القانون وفصل السلطات واستقلال القضاء.

وبعد ذلك، هل يمكن تحقيق التنمية بمعناها الإنساني والشامل أو ما يطلق عليها "التنمية المستدامة" دون الديمقراطية والحكم الصالح، خصوصاً وأنهما حسب المؤشرات رافعتان أساسيتان لتحقيق ذلك مع التلازم بمكافحة الفساد في إطار من الشفافية والمساءلة؟ ولذلك فإن النكوص في بعض مؤشرات الديمقراطية يستوجب البحث في وسائل وآليات جديدة لتعزيز جوهرها وتعميق محتواها وتوسيع دائرتها، لأن النظام الديمقراطي حتى الآن أفضل أنظمة الحكم التي ابتدعتها البشرية، الأمر الذي يتطلّب معالجة الاختلالات والتصدّعات التي ترافق مساره وتجديده باستمرار وفقاً لمتطلبات الحياة المتغيّرة دائماً، علماً بأن تصحيح الديمقراطية ينبغي أن يتم بوسائل ديمقراطية، وذلك يحتاج إلى المزيد من التفكير لابتكار أساليب جديدة في طريقة التمثيل على المستوى المحلي والبلدي وتلبية حاجة السكان الأساسية، المادية والروحية. اعتمد التقرير على 5 مؤشرات لقياس الديمقراطية هي: التعددية الحزبية والانتخابات، وأداء الحكومة، والمشاركة السياسية، والحرّيات المدنية، وثقافة الديمقراطية. ويعتبر صعود التيارات الشعبوية اليمينية واليسارية وانتعاش اليمين المتطرّف والعنصري وضعف العمل المؤسسي وارتفاع النزعة الفردية ونكوص الدولة الوطنية أو تعثرها، من مظاهر انحسار الديمقراطية، خصوصاً ويأتي هذا التراجع في ظل ازدياد الهوّة العميقة في توزيع الثروة بين من يملكون ولا يملكون، حيث ما يزال 1 بالمئة من سكان العالم، يملكون أكثر من 80 بالمئة من الموارد، ويعاني العالم من مشكلات صحية وبيئية من جفاف وتصحّر، تحتاج إلى تعاون دولي وتخصيصات مالية ضخمة ما تزال محدودة. وإذا كان تقرير الايكونوميست قد شخّص حالة التراجع الديمقراطي لدول عريقة، فماذا سنقول بالنسبة للعالم العربي، حيث النزاعات والحروب الأهلية وصعود موجات الطائفية والنعرات العنصرية واستشراء التعصّب والتطرّف وتفشي ظاهرتي العنف والإرهاب التي ضربت بلداناً بكاملها ليس بعيداً عنها تداخلات إقليمية ودولية. والسؤال الذي يثور هنا: هل هناك ديمقراطية واحدة أم ثمة توجهات مختلفة وخصوصية لتحقيقها مع مراعاة القواعد والمشتركات العامة؟ وماذا نسمّي الصين التي حققت تنمية هائلة خلال ربع القرن الماضي؟

ويمكننا القول استناداً إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في 4 ديسمبر (كانون الأول) العام 2000 بخصوص الديمقراطية، أنه لا يوجد نموذج عالمي واحد للديمقراطية، وأن الديمقراطية لها طبيعة غنيّة ومتنوّعة تنجم عن معتقدات وتقاليد اجتماعية وثقافية ودينية للأمم والشعوب، وإن جميع الديمقراطيات تتقاسمها خاصيات مشتركة، أي أنها تقوم على أساس المشترك الإنساني للتجربة البشرية الكونية. وكان "المشروع النهضوي العربي" الذي أنجزه "مركز دراسات الوحدة العربية" وناقشه لأكثر من عقدين من الزمان وضع سبعة مؤشرات للانتقال إلى الديمقراطية، طبقاً للمعايير الكونية مع مراعاة الخصوصية: أولها - الحرّيات العامة وحقوق الإنسان وثانيها- تكريس التعدّدية وثالثها- إقرار النظام التمثيلي(المحلّي والنيابي) ورابعها- فصل السلطات وخامسها- إقرار نظام دستوري يحظى بشرعية شعبية وسادسها- التداول السلمي للسلطة، وسابعها- إقرار نظام اجتماعي - اقتصادي يتمتع فيه المواطنون بحقوق متساوية وفرص متكافئة.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
أحبائي
الديموقراطية التي تتيح لطفل النوم في قصر ولقرينه النوم في العراء هي ديموقراطية الشيطان
ديننا الإسلامي دعانا للعدل والرحمة وايتاء الزكاة والصدقات للفقراء والمساكين وكذلك كل الأديان
تقولون السويد والنرويج بها ديموقراطية كاملة نعم لابد ان نشهد لها انظروا فيها الى مستوى معيشة الإنسان
نحن ننشد العدل بزرع ثقافة الخير والتسامح والعطاء التي تنزع الغل والحقد من عقل طفل ينام في العراء وهو جوعان
أحبائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات....مركز ثقافة الالفية الثالثة2019-03-03

مواضيع ذات صلة

3