قد لا يعي البعض ما هي مسؤولية الكلمة، وما النتائج التي تترتب عليها، فقد قيل في الكلام المأثور أن (مقتل المرء بين فكيه)، والمعني هنا هو اللسان، كذلك ورد هذا المعنى في المقولة الشهيرة للإمام علي عليه السلام (المرء مخبوء تخت لسانه)، لتؤكد القيمة الكبرى للكلمة وتأثيراتها بحسب معانيها ومقاصدها، ومما يدور بين الناس أن الكلمة وما ينتج عنها سيأتي بحسب مكانة الإنسان وموقعه الاجتماعي ومركزه الوظيفي وطبيعته، فكلام القائد السياسي لا يتساوى مع كلام المواطن العادي، وكلام المعلم والمثقف ورجل الدين والمفكر لا يمكن أن يتساوى في قيمته مع الكلام الذي يطلقهُ صغارُ القوم في السن والتجربة.

وما نقصده هنا بالكلمة، هو ما يتفوّه به اللسان، من أقوال وتصريحات، وما نعنيه في كلمتنا هذه قضية التسقيط والتسقيط المقابل عبر الكلمة غير المسؤولة، فهذا الأسلوب الذي قد يلجأ له بعض الأشخاص أو الجماعات، أو الأحزاب، يأتي في إطار عدم الشعور بمسؤولية الكلمة وما يتمخض عنها من نتائج قد يصل بعضها إلى مستويات خطيرة، ربما تطول حاضر ومستقبل شعب كامل، إذا كان قادتهُ لا يقدرون الكلام حقَّ قدره.

إن الكلام له تأثيره الكبير، ونتائجه التي قد تكون هائلة، لذلك هناك نوعان من الكلام، الأول هو الكلام المسؤول، والثاني هو الكلام النقيض أو غير المسؤول، النوع الأول معروف بمواقفه المتوازنة وحساباته الدقيقة لما ينتج عنه من تداعيات وتأثيرات.. أما النوع الثاني فهو غير متوازن وغالبا ما يدخل في مدار التهوَّر أو عدم المبالاة بما سيتمخّض عنه من تداعيات، وكما هو معروف أن الإنسان أي إنسان كان، يملكُ لساناً قادرا على اللفظ، يتحكم به العقل والأهداف التي يسعى إليها، فإن كان عارفا بتأثير ما يتفوّه به سوف يُحسب على الطرف المتوازن، وفي كل الأحوال حُسن الكلام وتوازنه يقي الناس من الانزلاق في متاهات كثيرة وقد تكون تعقيدات كبيرة تؤدي إلى (المشاجرات، المعارك)، وليس مستبعَدا أن تقود الأطراف المختلفة إلى حروب صغيرة ومتوسطة وكبرى كما تذكرُ لنا صفحات التاريخ، حتى على مستوى الأفراد لن تختلف النتائج إلا بالحجم وسعة الخسائر والتضحيات.

يقول الشاعر:

لسانُ الفتى حتفُ الفتى حين يجهلُ......... وكلُّ امرئٍ ما بينَ فكَّيهِ مقتلُ

وكلمتنا هذه مخصَّصة لظاهرة تصاعدَ أوارها في السنوات الأخيرة، ونقصد بها استخدام الكلمة لتسقيط الآخر، وقد دارت بين شخصيات وجماعات وأحزاب وحتى كتل سياسية، مما يدل على أننا لا نزال بعيدين عن لغة الحوار التي تعد من أهم ميزات الأنظمة الديمقراطية، فإن كانت بين حزب وآخر خلافات في الرأي أو المعالجة، فهذا لا يعني اللجوء إلى مهاجمة الحزب الآخر وتسقيطه عبر الافتراء والتشهير والافتعال، وهذه كلها أساليب كلامية تنتمي إلى الكلمة غير المسؤولة.

إن الأمم والشعوب المتقدمة بالأخص قادتها من الساسة والمفكرين، قد تجاوزوا ظاهرة أن يسقّط أحدهم الآخر، ووجدوا البديل في استخدام ثقافة الحوار ولغة التفاهم بدلا من لغة تشويه السمعة عبر الافتراء والكذب والتضليل، وهناك تجارب تستحق الاحترام في إطار الحوار ونبذ لغة التشهير والتشويه، كذلك هناك تجارب ناجحة للقضاء العادل والنزيه في فض النزاعات من هذا القبيل، فإذا لم تصل الجهات المتقابلة (شخصيات أو أحزاب) إلى التفاهم عبر الحوار، وهو الأسلوب الغالب في الوصول إلى حلول وسطية مقبولة من الجميع، فهناك الأجهزة القضائية النزيهة التي بمقدورها إعطاء كلِّ ذي حقٍ حقّهِ.

ماذا يحتاج العراقيون اليوم في خصوص هذه الظاهرة، وهل هنالك بالفعل من لا يتحلى بالكلمة المسؤولة؟، الشطر الثاني للسؤال، نعم يوجد من لا يفهم مسؤولية الكلمة ولا يعنيه هذا الأمر من بعيد أو قريب، فيلجأ إلى استخدام الكلمة أبشع وأسوأ استخدام، مستثمرا وسائل الإعلام والمزايا التي تمنحها وسائل التواصل الاجتماعي في القدرة على النشر والتوصيل، بلُ يُشاع اليوم أن هنالك جيوشاً إلكترونية مهمتها تسقيط من يختلف معها في الرأي والرؤية، وغالبا ما يتم توظيف هذه الجيوش من جهات سياسية أو أحزاب أو شخصيات متصارعة على المناصب والأموال والنفوذ، هذه الجيوش هي أسوأ ما رافق المخترعات التكنولوجية في المجال المعلوماتي.

الشطر الأول من السؤال أعلاه، يحتاج العراقيون، بالأخص الداخلين في معمعة السياسة، إلى فهم مسؤولية الكلمة والإيمان بتأثراتها الإيجابية والمضرّة، فقادة الكتل السياسية هم علية القوم من أرباب وأنساب السياسة، وعلى هؤلاء القادة مسؤولية فهم الكلمة ودورها في بناء ديمقراطية تقوم على الحوار وليس الصراع عبر التسقيط بمختلف الطرق والوسائل، لأن مسؤولية تشذيب العمل السياسي من هذه الظاهرة الخطيرة لا يعود إلى اللاعبين الصغار، فهؤلاء أجراء يقبضون وينفذّون، لكن المسؤول الأول هم القادة.

فإن أرادت الأحزاب والكتل السياسية صناعة تجربة ديمقراطية متميزة، عليها أن تعي ماذا يمكن أن تفعل ظاهرة التسقيط، وماذا يمكن أن يحدث فيما لو بقيتْ هذه الظاهرة تتحكم بالعلاقات بين الأحزاب والكتل والشخصيات السياسية، إن بناء تجربة سياسية أخلاقية ناجحة مسؤول عنها القادة بالدرجة الأولى، وإن إشاعة ثقافة التسقيط تعود لقادة الكتل والأحزاب والشخصيات، فهي التي توجّه وهي التي تخطط للصراعات المتبادلة التي يمكن أن تكون سببا كبيرا في فشل الديمقراطية الحديثة في العراق.

متى ما وعى الكبار أن الكلمة مسؤولية، وأنها يمكن أن تذهب باتجاهين متناقضين، يمكنها أن تبني ويمكنها أن تهدم، حينذاك عليهم التحرّك الجاد لحماية الديمقراطية في العراق وترسيخها، من خلال وأد ثقافة التسقيط ونشر مسؤولية الكلمة، وإعطاء الحوار البنّاء مكان الصدارة في حلّ المشكلات بأعلى وأدنى مستوياتها، خصوصا بعد أن قطع العراق عقدا ونصف من السنوات في عهد ديمقراطي يريد له العراقيون أن ينمو ويتميز ويقوى، لا أن يتم هدمه بأسلوب التسقيط المرفوض جملةً وتفصيلاً.

انقر لاضافة تعليق
عبد الرحيم عبد الكاظم
العراق
والله هذي مشكلة منتشرة بين الناس وبين الأحزاب صفة تلازم الكل تقريبا.. معلجاتها مذكورة بالمقال ولكن من ينفذها.. هذه هي المشكلة2019-01-15

مواضيع ذات صلة

0