ماذا يريد الرئيس دونالد ترامب؟ سؤال مطروح في دوائر صنع القرار الامريكية ومراكز الدراسات ووسائل الاعلام الكبرى، فالرئيس يفعل ما يريد، وبطريقة متناقضة عن كل الأعراف والتقاليد السياسية الامريكية الراسخة. انه لا يهتم بمصالح بلاده، ويمزق سمعتها التي بنتها منذ سنوات طوال، ويشن حروبا اقتصادية وأخرى عسكرية، وينسحب من أخرى لم تنتهي بعد.

اخر انسحابات ترامب، إعلانه عن اجلاء القوات الامريكية من سوريا، وهي خطته التي وعد ناخبيه بها قبل وصوله المفاجئ للبيت الأبيض، وبما انه يريد تحويل كل شعاراته الانتخابية الى واقع ملموس، فان هذا الانسحاب يأتي في سياق تلك السياسة بعد قراراه التاريخي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده اليها، وحربه الاقتصادية ضد الصين، وتخليه عن اتفاقية المناخ وبعدها الاتفاق النووي الإيراني.

وفي معرض تبريره لقراراه قال ترامب في تغريدة "هل تريد الولايات المتحدة أن تكون شرطي الشرق الأوسط؟ وألا تحصل على شيء غير خسارة أرواح غالية وإنفاق آلاف ترليونات الدولارات لحماية أشخاص، لا يثمنون في مطلق الأحوال تقريبا ما نقوم به؟ هل نريد أن نبقى هناك إلى الأبد؟ حان الوقت أخيرا لكي يقاتل الآخرون".

هذا القرار كما القرارات السابقة لترامب، احدث زلزالا قويا في الأوساط الامريكية وحلفاءها أيضا، فعلى المستوى الداخلي، أعرب عضوا مجلس الشيوخ الجمهوري ليندسي غراهام والديمقراطية جين شاهين عن عزمهما التقدم بمشروع قرار يحث الرئيس على العودة عن قراره.

كما وجّه ستة أعضاء في مجلس الشيوخ رسالة إلى ترامب يحثونه فيها على إعادة النظر في القرار. وأوضح المشرعون أن هذه الدعوة جاءت حفاظا على المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة معربين عن قلقهم، واعتبروا القرار سابقا لأوانه. ووصف المشرعون القرار بأنه "يمثل خطأ مكلفا يهدد سلامة وأمن الولايات المتحدة ويشجع تنظيم داعش وإيران والرئيس السوري بشار الأسد على اتخاذ إجراءات إضافية لتعزيز سلطته".

الصحافة الامريكية اتفقت مع موقف السلطات التشريعية، ووجدت ان تنظيم داعش لم يهزم بعد، وان القرارا يمثل خطأ استراتيجيا، اذ استهجنت واشنطن بوست -في مقالها الافتتاحي- إعلان انسحاب القوات الأميركية وعنونته "بتغريدة واحدة ترامب يدمر السياسة الأميركية بالشرق الأوسط".

وقالت إنه بقراره هذا يقدم هدية ضخمة بمناسبة العام الجديد إلى الرئيس بشار الأسد وتنظيم داعش والكرملين وطهران، ويضمن أيضا التضحية بالمكاسب العسكرية الأميركية هناك، ويبطل أي تأثير قد يكون لدى وزير الخارجية مايك بومبيو ومبعوثه الخاص لسوريا جيمس جيفري لتحفيز تسوية دبلوماسية تلبي أهداف الإدارة نفسها لإبقاء تنظيم الدولة بعيدا.

وأضافت أن الأهم من ذلك أن يسقط ترامب في نفس الفخ الذي سقط فيه الرئيس باراك أوباما عندما سحب جميع القوات من العراق عام 2011. كما أن هذا القرار يكفل فعليا زيادة تفكك الأمن أكثر وصعود تنظيم داعش وإيران مرة أخرى، وأن تضطر الولايات المتحدة للعودة إلى سوريا بتكلفة عسكرية أكبر وفي ظروف أقل ملاءمة مما لو بقيت هناك.

أولى نتائج اعلان ترامب، هي مفاجأة استقالة وزير دفاعه جيمس ماتيس، الذي أعلن ذلك الخميس 21 ديسمبر/كانون الأول 2018، إثر اختلافه مع الرئيس دونالد ترامب في السياسات الخارجية، وذلك بعد يوم واحد من قرار ترامب سحب قواته بالكامل من سوريا.

تاتي استقالة هذا الوزير المؤمن بشدة بحلف شمال الأطلسي، نتيجة عدم الفهم وغياب التوافق مع تفكير الرئيس ترامب، فقد كتب ماتيس في خطاب الاستقالة: "ولأنه من حقكم أن يكون لديكم وزير دفاع له رؤى أكثر تقارباً مع رؤاكم في هذه الموضوعات وغيرها، فأعتقد أن من المناسب لي التنحي عن منصبي".

ما الذي يريده الرئيس ترامب؟ لا احد يعرف، لكن نتائج قراراته واضحة، وهي في مجملها تصب في صالح خصوم امريكا، فالحرب التجارية مع الصين كانت خاسرة، وفق اخر الأرقام، اذ بلغ الفائض التجاري الصيني مع الولايات المتحدة الأشهر الـ11 الأولى من العام الجاري 293.5 مليار دولار، مقارنة بـ251.3 مليار دولار للفترة ذاتها من العام الماضي، وفي صلحه التاريخي مع كوريا الشمالية لم تتخلى الأخيرة عن أسلحتها النووية بينما اعترف ترامب بحقيقة وجودها.

وفي اتفاقية المناخ قدم ترامب الاتفاقية على طبق من ذهب للصين لتقود العالم في هذا المجال تحديدا، اما في ملف ايران النووي فرغم قسوة العقوبات على طهران الا انها لم تؤثر على سلوكها السياسي في المنطقة، فالقرارات تلك لم تكن فعالة اطلاقا الا في اطار محدود.

وقرار الانسحاب الأخير من سوريا ربما لا يعطي نتائج في صالح الولايات المتحدة الامريكية مهما حاول ترامب تبريره، وكيف يمكنه ان يكون جيدا والجميع رأي كيف تخون أمريكا حلفائها في اشد حاجتهم لها، والحديث هنا عن اكراد سوريا الذين وصفوا تصرف ترامب بالخيانة، وعادوا لتاكيد ان لا صديق لهم سوى الجبال.

الانسحاب الأمريكي في مجمله غير قابل للتفسير، لكنه في المحصلة يأتي ضمن سلسلة القرارات غير المفهومة للرئيس الأمريكي الأكثر غرابة في تاريخ بلاده.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0