آراء وافكار - مقالات الكتاب

كسر الروتين والتغيير الاجتماعي

دروس التجديد الافتراضي

التجديد في أساليب الحياة المختلفة، طريقة التفكير وتطوير العمل، طرق العيش والتعليم وسواها، يعدّ بحسب أصحاب العلم ركن من أركان الحياة الفردية والجماعية التي تنزع إلى الأجود على الدوام، أما الثبات على أسلوب واحد في الفكر أو سبل العيش المختلفة، والتخوف من التغيير، سيعود بترسّبات خطيرة على الإنسان، فهو أما أن يتركه يراوح في مكانه، أو يعيده إلى الوراء، وفيما يتقدم العالم من حولنا في كل يوم خطوة إلى الأمام، يبقى من هو مغرم بعدم التغيير والتجديد في مكانه أو يعود القهقرى.

الرغبة في الثبات والقرار على نمط واحد من أنماط العيش والتفكير، له أسبابه، ولعلّ أهمّها وأكثرها تأثيرا، خوف الإنسان (والمجتمع) مما يصحب التغيير من خسائر أو تضحيات، ففي الأغلب الأعم يصاحب أي تغيير خسائر، ولكن حين نقارن هذه الخسائر أو التضحيات سوف نكتشف أن الربحية تكون عالية، وليعرف الجميع، ما من فرد أو مجتمع خطا خطوة متقدمة إذا لم يُقيِل على التغيير بقوة وثبات، ولا يعبأ بالعقبات والحواجز التي تحاول أن تثنيه عن عزمه.

هل تتذكر البشرية كيف بدأ الطيران في العالم، ثم هل كان البشر يحلمون بطائرة تفوق سرعتها سرعة الصوت وتحمل 1000 راكب على متنها؟، كيف حدثت مثل هذه المعجزات لولا الإقدام بثبات وجرأة خارقة على التغيير وضرب السائد، والانتقال إلى أنماط جريئة في الفكر وتحويله من حالته الكتابية المجردة إلى مجسَّد ملموس، ثم هل كان العالم يحلم باجتماعه في غرفة واحدة، الكل يتكلم مع الكل، والكل يرى الكل، من أقصى الأرض إلى أدناها، في عالم يسميه البعض افتراضيا لكنه قد يكون أكثر حقيقة من العالم الواقعي نفسه.

كيف حدث هذا؟، إنه الإقبال على التغيير وضرب السائد واعتماد المغايرة، بعلمية وتجريب متوثب على الدوام، لذلك يُنصَح أن لا يبقى الإنسان يدور في فلك النمطية القاتلة، ويُنصَح أيضا أن يستغل كل ثانية تمر في يومه من أجل التغيير، فهذا الإمام علي عليه السلام، قال قبل أكثر من ألف سنة: (من تساوى يوماه فهو مغبون)، فما بالك إذا هجعت الأمة أو الإنسان شهورا أو سنوات أو عقودا أو حتى قرونا، بلا تغيير أو حراك يجانب السائد، كم سيكون هذا الفرد أو الأمة مغبونين؟!، لا شك أن الخسارة ستكون هنا ثقيلة أو من العيار الأثقل.   

إن العالم الافتراضي يمكن أن يكون نموذجا حيّا للتجديد، فبين مدة وأخرى قد تصل إلى بضعة شهور، نجد هذه المواقع تغير أشكالها، ورموزها، وأيقوناتها، وتتلاعب بتصاميمها وتضيف أو تحذف شيئا ما، شكلا أو تصميما أو رمزا أو أيقونة، وتركز على الجانب التفاعلي، فتبقى بذلك حية على الدوام وتظل في وضع مواكبة لحالات التطور والتغيير التي تنزع إليها الذائقة الجمعية للناس، هذا بحد ذاته درس مهم للإنسان الفرد أو الجماعة (المجتمع) لكي يذهب إلى التغيير المستمر بما يضمن فاعلية المجتمع.

ولنأخذ الفيس بوك على سبيل المثال، فبين مدة وأخرى يفاجئنا مديرو هذا الموقع الالكتروني الاجتماعي، بتغيير مختلف في التصميم أو التعليق أو الإضافات وما شابه، وفي الوقع أخبرني الكثير من رواد هذا الموقع انزعاجهم من هذا التغيير المتكرر، وحين بحثنا عن السبب في عدم قبول هؤلاء للتغيير، أنهم بطبيعتهم لا يجبون التجديد، حتى أن بعضهم اذا اشترى (موبايل) أو (سيارة) فإنه لا يقدِم على تغييرها سنوات وسنوات حتى تعجز عن العمل تماما، هذه الحالة يمكن أن تذهب بنا ألى ما ينتشر في مجتمعنا من ركون إلى ما اعتاد عليه من فكر وسلوك وعمل وقيم تحكم علاقات العمل أو العلاقات الإنسانية.

ولو أننا عرفنا أن بعض القيم والضوابط التي تحكم علاقات العمل بحاجة إلى التغيير والتجديد، لأنها سوف تسهم بشكل ملحوظ في زيادة الإنتاج وتحسين نوعه وجودته، أما البقاء على اشتراطات العلاقة نفسها، فإنه يساعد على الضمور والتخلخل، ومن ثم رداءة الانتاج في النوع والكمّ، لذلك ليس جزافا أن يعمد القائمون على مواقع التواصل الافتراضية إلى تغيير الأيقونات والرموز والتصاميم، بشكل دائم، لأنهم بذلك يقومون بمفاجأة الرواد، ويسحبونهم إلى مواقعهم زمنا واستخداما أكثر، فيكسبون ربحية أكثر.

هل يمكن أن ينطبق هذا التجديد الإلكتروني على حياتنا التطبيقية الفعلية؟، نعم هذا ممكن ومثبت عمليا، فغرفة النوم التي تبقى على شكلها النمطي لسنوات طويلة سوف تكون كالقبر بالنسبة للزوج والزوجة أيضا، وينطبق هذا على شكل البيت وغرفه وتصميمه، بل ينطبق على كل الأشكال التي تكون على تماس مع حياة الإنسان، وقد نصح العلماء المختصون، علماء النفس والجماليات، الناس بأهمية تغيير أثاثهم وغرف نومهم لكي تتدفق حياة جديدة في عروقهم وقلوبهم ومشاعرهم.

هل يمكن أن يمنحنا العالم الافتراضي المتغيّر على الدوام درسا أو دروسا مهمة تثبت أن التغيير في حياة الإنسان (فردا أو أمة)، أمر واجب، وأن إهماله والركون إلى النمطية والاعتياد يعدّ بمثابة قتل للروح والعقل وحتى الموهبة؟، بالطبع لا يمكن أن ننكر بأنه درس متحقّق، وأن تنبّه الإنسان لما يجري في العالم الافتراضي ينبغي أن يدفعه بقوة نحو التجديد، وإلا كيف نسمح للعالم (الموهوم/ الافتراضي) أن يسبقنا للقضاء على الروتينية والاعتياد والجمود؟.

 إن الفرد في حياته الواقعية يجب أن يلاحظ بشكل دائم نمطية تفكيره ونشاطه الفعلي، وعليه أن يغيّر ذلك نحو الأفضل، حتى قيل (أنّ البركة في الحركة)، وهو أمر مثبت عليا، فالإنسان الحركي يفوق الجامد بكثير، تفكيرا وعملا وإنتاجا، وهناك مثل مصري يقول (الرزق يحب الخفِّية) أي يحب الحركة والنشاط والبحث والتجديد، وطالما أن الفرد لدينا والمجتمع ارتبط اليوم برباط وثيق مع العالم الافتراضي، فعليه أن يقوم بخطوتين، أن يتعلم منه كيف يكون للتغيير من النمطية فوائد لا تحصى، وأن يتعلّم خطوات التغيير وينقل دروس العالم الافتراضي إلى واقعه ويطبقها على حياته في مجال التخلص من الجمود واعتماد التفاعلية المنتِجة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0