ظهر مصطلح الحياد خلال المدة التي اعقبت ( الحربين العالميتين) وكان يراد به عدم التحيز إلى أحد من الطرفين المتصارعين، بعد حجم المعاناة التي تلقتها معظم الدول سواء ممن اشتركوا ضمن احد المحاور المتصارعة او كانت ضمن المواجهة المباشرة، ويقول الدكتور عبد المنعم زنابيلي في كتابه (تطور مفهوم الحياد عبر المؤتمرات الدولية، ص 5): "الحياد الإيجابي وعدم الانحياز ظاهرة من الظواهر السياسية لعالم كابد الحرب العالمية الثانية"، وهو يعني "عدم التحزب لأجل غير محدود" (ص 13)، وبالتالي تهدف الدول من الحياد عدم الانخراط بأي نزاع مسلح لا يعنيها وبهذا تجنب الدول المحايدة شعوبها واراضيها من الاضرار المحتمل حدوثها.

وبطبيعة الحال قد حدثت متغيرات على بعض مواقف الدول منها من سلكت الحياد الدائمي حتى اليوم وهناك دول وجدت نفسها مضطرة للانخراط في محور دون اخر بحسب المتغيرات الدولية.

العراق بعد عام 2003 وعلى وفق تجربة العهود السابقة وويلات الحروب التي لم يجني منها سوى المتاعب وتهديم البنى والتخلف عن ركب موجة التطور الحضاري، ومع سياسة العراق نحو الانفتاح على جميع الدول والحفاظ على الحياد الايجابي بالرغم من صعوبة المهمة، فقد قًدر له ان يقع ما بين جيران يتبعون سياسة المحاور، فايران ذات العلاقة الاقوى سياسياً وحدودياً وذات الارتباط العقائدي والديني والتجاري والسياحي مع العراق، وفي الوقت ذاته هي منخرطة تماماً بما يعرف بمحور المقاومة مع سوريا وحزب الله اللبناني وبعض الحركات الاسلامية في فلسطين واليمن والعراق على وفق منهج العدو الواحد وهو العامل المشترك ما بين اعضائها المتمثل بأمريكا وإسرائيل.

وعلى اثر ذلك تسعى لكسب الموقف الرسمي للحكومة العراقية التي في الوقت ذاته ملتزمة بعلاقات وطيدة مع الجانب الامريكي وتسعى دوماً للحفاظ على علاقاتها به باعتبار ان الولايات المتحدة هي الراعي الرسمي للعملية السياسية في العراق وصاحبة مشروع التغيير.

وفي مقابل ذلك تلجأ ايران وامريكا لتصفية الحسابات وعامل الربح والخسارة والحرب بالوكالة على حساب سيادة ومصلحة العراق ويظهر ذلك جلياً كلما دخلنا في مرحلة تشكيل حكومة جديدة للعراق او في ملف العقوبات الامريكية على ايران بالرغم من بعض الاستثناءات الممنوحة للعراق الا انها مشروطة وبالتالي قد تؤثر على اساس العلاقة وهو ما قد يفهم منه انضمام العراق للمحور الامريكي وحتى تحركات العراق عبر الانفتاح على محيطه العربي اعتبرته بعض الاوساط العراقية او الايرانية يحمل رسالة مبطنة لإيران، اضافة الى ملفات عدة ما بين الجانب الامريكي والايراني والتي يراد تسويتها عبر الوسيط العراقي كملف الحشد الشعبي او تواجد القواعد الامريكية.

من كل ما تقدم، ينبغي ان يحافظ العراق على ديمومة الحياد المتوازن بالرغم من حجم الضغوط الداخلية والخارجية التي تمارس من اطراف عدة، فالحياد هنا يجنبه الويلات التي لاقاها، فالانفتاح على المحيط العربي ظاهرة صحية تصب في مصلحة العراق في مقابل ان يكون متوازناً مع ايران كما الولايات المتحدة والابتعاد قدر الامكان عن سياسة المحاور بما يتوافق ومصلحة البلد، واجراء مراجعة شاملة لاهم الاشكالات المطروحة لتكون بوابة لحلحلة مختلف الازمات على ان تؤطر بالاطار الوطني والابتعاد عن أي ولاء فرعي لا يتماشى وسياسة الحياد المتوازن.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2018
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0