في واحد من كتبه، يرى المفكر هربرت ماركوز، احد ابرز (جماعة فرانكفورت)، ان سبب تفوق الراسمالية وهيمنتها، يعود الى سيطرتها على عصب الاقتصاد العالمي .. وانقل هنا بالمعنى القريب من النص .. وعصب الاقتصاد العالمي يتمثل بالطاقة، وفي مقدمتها النفط، السلعة الاهم، لاسيما في القرن العشرين ومازالت، وعنوان غنى بعض الدول وفقرها ايضا! واستقرارها واضطرابها كذلك. من هنا جاء اهتمام الدول الصناعية الكبرى، بمصادر الطاقة في العالم، وسعيها للسيطرة عليها باساليب متعددة، بدات بمرحلة الاستعمار المباشر، واستمرت الى اليوم، وكلها تلتقي عند فكرة واحدة، هي ان هذه السلعة يجب ان تبقى بايدينا، نستخدمها في صناعتنا ونحارب بها خصومنا او منافسينا في الوقت نفسه. وبما ان الدول الصناعية الراسمالية، سبقت قيام الاتحاد السوفييتي ومنظومته الشيوعية وحلفائه الاشتراكيين، فان وضع اليد مبكرا على مصادر الطاقة، جعل تلك الدول متحكمة بالاقتصاد العالمي من خلال تحكمها بسوق النفط ... حاولت منظمة الدول المصدرة للنفط (اوبك) ان تجد لها سبيلا للاستقلال، وخلق سوق مناسبة لمصالحها، الاّ انها اصطدمت بعقبة الاستقلال السياسي الذي يجب ان يكون مدخلا للاستقلال الاقتصادي، والعكس صحيح ايضا، وقد نجحت الى حد ما، لكنها اصطدمت بالمشتبك السياسي العقائدي الذي حكم العالم خلال حقبة الحرب الباردة، والاستقطابات الحادة التي لعبت دورها في صياغة امزجة سياسية متناشزة، حتى داخل الدول المتداخلة ثقافيا (العرب مثالا) ومن ثم لم تحقق اوبك هدفها السياسي المنشود، لفشلها في ايجاد مشترك حقيقي يوحدها، ناهيك عن تصادمها فيما بينها لاحقا، والذي لعب النفط وكيفية استثماره دورا كبيرا فيه، ومن خلال الكواليس الدولية السوداء، التي ظلت تصنع الاحداث وترسم مخرجاتها وفقا لمصالحها.. (حرب الخليج الثانية) مثالا صارخا.

في السنين الاولى لاحتلال العراق، تابعت لقاء تلفازيا مع شخصية دبلوماسية عراقية، قريبة من الثقافة الاميركية، حاول خلال اللقاء ان يسفّه طرح القائلين باهمية النفط لاميركا، او انها اتت للمنطقة لاجله، مبينا في سياق طرحه، ان اميركا مكتفيه من هذه السلعة، ولم تعد بها حاجة اليها، كما يتصور البعض، والكلام للسيد للدبلوماسي. وهذه في اعتقادنا، قراءة قاصرة في فهم علاقة اميركا بالنفط وغرامها الطويل به!

تابع العالم مؤخرا، مسلسل العقوبات الاقتصادية الاميركية على ايران، وكيف ان ادارة ترامب عملت على منع ايران من تصدير نفطها، للضغط عليها.. وفي العموم نجحت، باستخدامها وسائل ضغط متعددة، في منع عدد غير قليل من الدول المستوردة للنفط الايراني، لكنها واجهت مشكلة اخرى، تمثلت بارتفاع اسعار النفط، ما جعل الكمية القليلة المصدرة من النفط الايراني للدول المستثناة من الالتزام بالعقوبات، تعادل تقريبا الواردات المالية السابقة من النفط الايراني المباع بكميات اكبر، الامر الذي سيجعل من العقوبات غير فاعلة في هذا القطاع.

لاشك ان الصراع السعودي الايراني، كان حاضرا في مسالة الهبوط المفاجئ لاسعار النفط، لان السعودية تريد تاثيرا اشد للعقوبات على ايران، يدفعها للتفاوض في ملفات تشتبك معها فيها، سواء في اليمن وسوريا ولبنان اوغيرها من الميادين الاخرى، وهي بالتاكيد رغبة اميركية لاخراج ايران من تلك الميادين ايضا، ولذلك رفعت السعودية حجم الكميات المصدرة، وايضا فعلت اميركا الامر نفسه بانتاج كميات اكبر، من نفطها الصخري وغيره، ليرتفع المعروض ويتراجع سعر النفط عالميا، أي ان الامر سياسة بوسيلة اقتصادية، وهو ما يجعل مسالة التواجد الاميركي في الشرق الاوسط، مخزن الطاقة العالمي الاكبر، خيارا ستراتيجيا لاتراجع عنه بالنسبة لاميركا، ليس فقط للضغط على ايران وحدها، بل على الدول الكبرى المنافسة، من تلك التي تستورد النفط، الايراني وغيره.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0