تعد مسألة اختيار الانظمة السياسية والاقتصادية من المسائل المهمة في بناء الدول واستقرارها، فلابد من العمل بشكل مركز ودقيق لاختيار أفضلها لبناء الدولة وادارتها بما ينسجم مع الظروف المناسبة والامكانات المتاحة، إذ تختلف الظروف والامكانات من مكان لآخر ومن زمان لآخر، وعليه لابد من مراعاة مسألة اختيار أفضل الانظمة واكثرها انسجاماً مع الظروف والامكانات.

شرطان مهمان

وحتى يتحقق الاختيار الجيد للأنظمة السياسية والاقتصادية من قبل المجتمع لابد في بداية الأمر أن يتوفر شرطان هما حرية الاختيار وثقافة المجتمع، ويمكن تناول هذين الشرطين بإيجاز بالآتي:

الأول: حرية الاختيار، حيث لا يمكن لأحد أن يُحمل آخر مسؤولية سوء الاداء والانجاز وهو يعمل ضمن قوالب جامدة ومحددة لا يمكن تجاوزها، بمعنى آخر انه فاقد لحرية الاختيار التي تكفل الوصول إلى أفضل النتائج بمرور الزمن.

الثاني: ثقافة المجتمع، والمقصود هنا بثقافة المجتمع هي الثقافة السياسية والاقتصادية للمجتمع ومدى ترسخها في ذهنه وفاعليتها تجاه تحقيق اهدافه العليا.

النتائج مرهونة بالمقدمات

فلا يمكن لمجتمع أن يرتقي بنفسه ويتسلق سلم النجاح والتقدم دون أن يمتلك الحرية في اختيار الانظمة والقرارات التي تتناسب مع، الشرط الثاني، ثقافته السياسية والاقتصادية، التي تنعكس سلباً أو إيجاباً على النظام السياسي والاقتصادي، فكلما تكون ثقافته السياسية والاقتصادية عالية المستوى ستنعكس حتماً على النظام السياسي والاقتصادي بشكل إيجابي فترتفع كفاءة اداءهما وهذا ما يصب في مصلحة المجتمع وتلبية طموحه وتطلعاته، والعكس صحيح في حال إذا كانت ثقافة المجتمع السياسية والاقتصادية منخفضة المستوى ستنعكس أيضاً على النظام السياسي والاقتصادي بشكل سلبي فتنخفض كفاءة اداءهما وهذا ما يضر في مصلحة المجتمع ولم تتحقق طموحه وتطلعاته.

وكلا النتيجتين طبيعيتين بناءاً على المقدمات، فكلما تكون المقدمات جيدة ستكون النتائج جيدة والعكس صحيح كلما تكون المقدمات غير جيدة ستكون النتائج غير جيدة.

الهيمنة الخارجية

قبل قيام الدولة العراقية الحديثة في الثلث الاول من القرن المنصرم، كان اقتصاد العراق رهينة الادارة الخارجية كونه بلدا يخضع للاحتلال البريطاني وقبله الاحتلال العثماني الذي دام اربعة قرون حسب ما تشير إليه المصادر، وبالتأكيد هذه المدة الطويلة التي ابتعد العراقيون فيها-سواء كرهاً أم طوعاً- عن ادارتهم لشؤونهم السياسية والاقتصادية على وجه التحديد، لها أثر سلبي كبير في ترسيخ الجهل وغياب الوعي الاجتماعي بالحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمدنية ، ما ولّد مجتمعا ما عليه سوى العمل لسد رمقه وإرضاء حكّامه بعيداً عن ادارته لشؤونه وحقوقه العامة ولا يعرف إنه مصدر السلطات في ظل تبني النظام الديمقراطية- وحتى وإن كانت لديه معرفه بها فهو لا يكون سوى بيدق بيد الملك يحركه حيثما تقتضي الحاجة- دون العلم بما سيكون عليه مصيره كمجتمع.

فالبلد الذي يتعرض في تاريخه لمدة طويلة من الهيمنة الخارجية، سيعاني في المستقبل لمدة طويلة أيضاً، لان استمرار الهيمنة الخارجية لمدة طويلة ستنشأ في ظلها اجيال وأجيال تتربى وتترسخ في اذهانها ثقافة وعادات وتقاليد عبودية -يصعب تغييرها بسرعة لأنه من شب على شيء شاب عليه-يفرضها واقع الحال او تمارسها الهيمنة الخارجية بشكل مقصود حتى تبني وتصمم المجتمع بالوجه التي تتسق مع اهداف ومخططات الدول الراعية للهيمنة المفروضة وتستفاد من كل امكانات هذا البلد حالاً ومستقبلاً.

الأنظمة الدكتاتورية

وما يزيد الطين بِلة، هو سيطرة الانظمة السياسية الدكتاتورية على البلد في كل مفاصله، فتعمل على تسخير كل الإمكانات المتاحة لصالح بقاءها في السلطة وترسيخ مكانتها بشكل أعمق باستخدام العنف ضد الآخر، وتعمل على استخدام سياسة التجهيل لتنفيذ خططها ومطامحها، إذ لا يمكن لمجتمع متعلم واعي أن يسمح لأدارته السياسية والاقتصادية أن تعمل كيفما تشاء دون أن تكون له كلمة الفصل في حقوقه السياسية والاقتصادية حتى ولو كان النظام دكتاتوريا مستبدا فما بالك إذا كان النظام ديمقراطي قائم على الحرية والمجتمع هو مصدر السلطات؟

فالأنظمة السياسية التي تعاقبت على ادارة العراق بعد قيام الدولة العراقية في عام 1921 وخصوصاً الأنظمة الدكتاتورية التي رسخت بشكل أكبر وأعمق ما ولّدته الهيمنة الخارجية قبل قيام الدولة العراقية، اذ ان النظام الدكتاتوري عمل على استمرار نهج الهيمنة الخارجية على المجتمع، حيث كان جُل اهتمامه هو السلطة وليس المجتمع ولا بناء الانسان، ولم يفكر بأن الشعب هو مصدر السلطات وادخل البلد في نفق الحروب فعسكر المجتمع واقتصاده بعيداً عن المدنية والتقدم فكانت النتيجة ضياع الثروات وتوقف البلد عن مسيرة التقدم بل وتراجع الى الخلف.

فكلا العاملين الهيمنة الخارجية والانظمة السياسية الدكتاتورية كانت دليلا واضحا على غياب الحرية السياسية والاقتصادية من جانب وفقدان الثقافة السياسية والاقتصادية لغالبية المجتمع من جانب ثانٍ وهذا ما أفقد المجتمع استقلاليته في ادارته لشؤونه وحقوقه فسادت الفوضى واتجه نحو ثقافة العبودية للدول الراعية للهيمنة الخارجية او للأنظمة السياسية وبالتحديد الدكتاتورية، كواقع حال. ان نشوء ثقافة العبودية تصب في مصلحة العاملين الداخلي والخارجي وتمنع نشوء المقاومة المعارضة لتحقيق مصالحهما على حساب المجتمع وحقوق الآخرين.

غياب المساواة

ما يرتبط بالعاملين السابقين بل هو نتيجة لهما هو غياب المساواة بين المواطنين فالدولة التي تهيمن عليها قوى خارجية ستكون بلا شك دولة راضخة ومفضّلة من قبل تلك القوى الخارجية على حساب القوى الرافضة لها من قبل المجتمع، وهذا يعني غياب المساواة بين المواطنين لان القوى الخارجية تفضل من يخدم مصالحها ويسعى لتنفيذ خططها وترفض من يرفض مصالحها ويقف حائلاً دون تنفيذ مطامحها، وهذا الامر سيولد تخمة اقتصادية لمن يقف الى جانب القوى الخارجية وبالتالي يكون هو الماسك بمقاليد القوة والتأثير على حركة المجتمع وتوجيهه حيث ما شاء بعيداً عن مبدأ تكافؤ الفرص وحرية الاختيار كون هذا الاخير سيكون مرهون بحاجته لمن هو ماسك بمقاليد القوة المدعوم بقوى خارجية.

كما ان الانظمة السياسية والدكتاتورية خصوصاً تغيب مبدأ المساواة بين المواطنين أيضاً حيث انها تفضل من ينتمي إليها وينفذ مطامحها ويتوافق مع بقاءها في السلطة وتقلل من مكانة المنتقد والرافض لها ولسياساتها وتصل بها الحالة الى الاقصاء والتهميش والنفي والاغتيال والقتل وخير دليل على ذلك ما حصل في العراق قبل عام 2003 وليبيا والسعودية وغيرها.

الحرية والثقافة شرطان

تعد الحرية من أبرز المبادئ والاسس التي ترتكز عليها الديمقراطية واقتصاد السوق وبمجرد التعدي على هذا المبدأ، مبدأ الحرية، وعدم وضعه كحجر أساس لبناء النظامين السياسي والاقتصادي ستكون نتائج النظامين نتائج مشوهة لا تستمر طويلاً وحتى وان استمرت ستنهار أخيراً، إذ ان تشييد النظام السياسي والاقتصادي بعيداً عن مبدأ الحرية السياسية والاقتصادية سيفضي الأمر إلى بناء الدكتاتورية سياسياً والاشتراكية اقتصادياً، وكلاهما يصبان في نقطة واحدة ويخدمان جهة واحدة وهي السلطة بعيداً تلبية متطلبات المجتمع وطموحه وتطلعاته.

أما بالنسبة للشرط الثاني وهو ثقافة المجتمع السياسية والاقتصادية -بعد توفر الشرط الثاني-ستكون كفيلة بعدم اللجوء إلى تشييد صرح الدكتاتورية والاشتراكية في حال إذا كانت الثقافة السياسية والاقتصادية عالية المستوى لدى غالبية المجتمع ويسعى لتطبيقها على ارض الواقع تحقيقاً لطموحه. وتؤدي إلى قيام الدكتاتورية سياسياً والاشتراكية اقتصادياً إذا كانت ثقافة المجتمع منخفضة المستوى. بمعنى آخر سيكون النظام السياسي والاقتصادي مرهون بثقافة المجتمع سياسياً واقتصادياً.

وبناءاً على ما سبق، يحتاج الاقتصاد والديمقراطية في العراق إلى تفعيل شرطين أساسيين هما:

الاول: إرساء حرية الاختيار بشكل حقيقي بعيداً عن الحاجة والمعايير الفرعية، أي أن يختار المواطن القرارات بعيداً عن المؤثرات الخارجية السياسية والطائفية والعرقية وغيرها.

ثانياً: تثقيف المجتمع سياسياً واقتصادياً حتى يكون بحد ذاته مانع ورافض لنشوء الدكتاتورية السياسية والاشتراكية والاقتصادية ومساهم بشكل فاعل في بناء الاقتصاد والديمقراطية بالشكل الذي يتناسب مع مستوى ثقافته السياسية والاقتصادية.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2018
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3