لا يمكن بأي حال من الاحوال التصدي للتحديات التي تتعرض لها البلدان ما لم يكن الولاء الوطني لدى مواطنيها عاليا، ذلك ان تراجع الولاء الوطني يشير في جانب كبير منه الى ان المواطنين متشرذمون بين ولاءات اخرى كالطائفية والاثنية والعشائرية والمناطقية، كما ان اعلاء المواطن من شأن الولاءات الفرعية التي يؤمن بها يعني ضمنا ان ذلك سيكون على حساب الولاء الوطني، ما يفكك الدولة ويضعف من منظوماتها العاملة، فضلا عن تشتيت الرأي العام وتباين اتجاهاته ازاء الثوابت الوطنية التي يراد تعزيزها في النفوس.

واذا كانت الدولة تنظيما اجتماعيا سياسيا عابرا للتنظيمات الاجتماعية الاخرى كالقبيلة، فأن نجاحها مرهون بمدى تحول منظوماتها الى مؤسسات بما يبعد قراراتها عن الارتجال والتأملات والتحيزات وضغوطات القوى الاجتماعية والدينية والاقتصادية التي تنطلق اهدافها من مصالح ضيقة، وهنا تبرز المواطنة بوصفها معيارا لتعامل تلك المؤسسات مع المواطنين على اختلاف قومياتهم واديانهم وطوائفهم وألوانهم، ويشكل الولاء الوطني مقوما اساسيا من مقومات المواطنة، بمعنى ان لامواطنة من دون ولاء وطني، ذلك ان تبلور الشعور بالانتماء الوطني وجدانيا وعقليا لدى افراد المجتمع من شأنه حملهم على احترام القانون الذي يعد الضمانة الاكيدة للحصول على الحقوق والالتزام بالواجبات، كما ان سيادة القانون تعكس هيبة الدولة وتشعر المجتمع بوجودها، بينما يقلل ضعف تلك السيادة من شأن قيمة الدولة لدى المجتمع والاحساس بغيابها او عدم فاعليتها.

فالدولة قبل ان تكون كيانا اجتماعيا سياسيا هي قيمة عليا يتجلى وجودها بمدى تطبيق القانون وحدود احترامه والالتزام به من الافراد، الامر الذي يحمل المواطنين الى الاحتماء بالقبيلة والطائفة وغيرها في حال ضعف تطبيق القانون. فضلا عن بروز ظواهر الفساد المالي والاداري وتغليب المصالح الخاصة على المصالح العليا للوطن، والاعلاء من شأن الولاءات الضيقة على حساب الولاء الوطني، ما يضعف الدولة وينهك قدراتها على مواجهة التحديات الامنية والاقتصادية والسياسية.

الاعلام بوصفه وكالة للتنمية

واذا كان الاعلام يعد من وكالات التنمية على اختلاف اشكالها، فأن تنمية الولاء الوطني يشكل وظيفة من وظائفه العديدة على المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية. ويكتسب الاعلام في هذا الاطار اهمية بالغة لما يمتلكه من ادوات فاعلة ومؤثرة في تشكيل اتجاهات الرأي العام ازاء المخاطر التي يتعرض لها المجتمع من خلال غرس روح الانتماء للوطن فيه. وللاعلام تطبيقاته المختلفة على وفق النظريات التي سيرته بدءا من نظرية السلطة ومرورا بنظرية المسؤولية الاجتماعية ووصولا الى نظرية الحرية. وفي كل تطبيق من هذه التطبيقات يختلف الاداء الاعلامي قوة وضعفا. وتأتي التعددية الاعلامية بوصفها مظهرا من مظاهر الفضاء الديمقراطي، اي تطبيقا لنظرية الحرية التي حققت نجاحات باهرة في بعض المجتمعات، لكنها بالمقابل افرزت في مجتمعات اخرى انتكاسات مريعة، ويرتبط ذلك بمستوى ونوع ثقافة الديمقراطية السائدة في تلك المجتمعات، بضمنها ما يتعلق بالولاء الوطني. والحديث عن تأثيرات التعددية الاعلامية في هذا الجانب على مستوى التطبيق في العراق يقتضي بداية توصيف حدود الولاء الوطني السائد من خلال ظاهرتين على سبيل المثال لا الحصر.

حدود الولاء الوطني

ثمة ظواهر يشهدها المجتمع العراقي تشير الى ان الولاء الوطني يشهد تراجعات لايمكن التغاضي عنها، ذلك ان هذه التراجعات لها تداعيات خطيرة منها ما يطال تمزيق النسيج الاجتماعي، فضلا عن تهديد وحدة البلاد. ومن تلك الظواهر شيوع الفساد المالي والاداري في الكثير من مؤسسات الدولة بما فيها المؤسسات القائدة للبلاد، ويؤكد الكثير من المعنيين تجذر هذه الظاهرة وتحولها الى مؤسسات يصعب اختراقها ويتعذر التصدي لها بالاساليب التقليدية بالرغم من وجود مؤسسات معنية بهذا الشأن كديوان الرقابة المالية ومفوضية النزاهة ومكاتب المفتشيين في الوزارات.

ان اتساع هذه الظاهرة يعني ان شريحة لايستهان بها من الافراد الذين يمثلون قادة هذه المافيات وادواتها والمتعاونين معها والجهات التي توفر الحماية لها، قد تلاشى لديها الشعور بالولاء الوطني، ما يتطلب التفكير بالامر ليس من باب التصدي القانوني فحسب، بل لابد من تأمل عملنا الثقافي الذي تندرج تنمية الولاء الوطني في اطاره.

ومن بين الظواهر ايضا تبني شريحة كبيرة من الشباب للفكر المتطرف الذي يقف بالضد من الدولة المدنية التي نعمل على ترسيخ قوائمها في العراق، وتمكن الجهات الارهابية من اقناع هؤلاء الشباب بمنظومة فكرية ماضوية تستهين بالحاضر وتدمر المستقبل، بما جعل الشباب يمنحون ولاءاتهم لهذه المنظومة على حساب الولاء للوطن الذي امعنوا بتدميره، والانقياد الغريب للجهات المتطرفة للقيام باعمال عنف بصرف النظر عن خسائرها التي بضمنها حياتهم وحياة مواطنيهم.

.......................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0