في تسنّم قيادة أو إدارة منشأ حكومي ما، يتقدم الولاء على الكفاءة والمؤهلات التي ترجّح كفة هذا الفرد أو ذاك، إنها ثقافة الولاء الخاطئ التي تضرب جذورها في تربة القيم الحاكمة للنهج والسلوك الإداري الرسمي، فهي ليست ابنة اليوم، لكن كان المأمول في العهد الديمقراطي الجديد أن تسود المعايير الصحيحة في التفضيل، وأن لا يكون الولاء للحزب أو العائدية السياسية متقدمة على الأهم، ونعني به الخبرة والكفاءة والمؤهلات الأخرى، ومن المؤسف أن تسود وتتشعب هذه الثقافة في شرايين الدولة والسلطات الحاكمة التنفيذية وسواها.

توجد جملة من الشوائب نجدها عالقة في توصيف النائب البرلماني، وهي نتاج ذاتي هو المسؤول عنها، وأخرى يتسبب بها الحزب أو الكتلة السياسية التي ينتمي إليها، أما الشوائب الذاتية فتعود إلى شخصه وتقصيره، ومنها مثلا، قلّة الخبرة السياسية والتشريعية، وضعف القدرات العلمية والفكرية، وعدم توافر شروط الوصول إلى قبة البرلمان كالتحصيل العلمي وسواه.

أما قلة الخبرة السياسية لبعض البرلمانيين فهي حقيقة لا يختلف عليها اثنان، لأن معظم الذين عملوا في المجلس التشريعي بدوراته الانتخابية بعد 2003، تعوزهم الكثير من الخبرات والمراس السياسي، أما نقص الخبرة القانونية فهو أمر ماثل ولا يحتاج إلى إثبات، بسبب الفشل المتعاقب في سن التشريعات التي تنتشل البلد من حالات التراجع والنكوص، ويمكن ملاحظة هذه المشكلة منذ الدورة الانتخابية النيابية وإلى الآن.

ولكن لماذا وكيف يتم انتخاب النائب البرلماني في العراق؟، هناك إجابات عدة في هذا المجال، بخصوص الشطر الأول من السؤال، يتم ترشيح النائب لأسباب عديدة ليس من بينها الخبرة والكفاءة والمؤهلات اللازمة، بمعنى يتم ترشيحه على أساس الولاء للحزب وليس الكفاءة، ولا العلمية، ولا الخبرات والحق والذكاء، وها يعني وصول ممثل للعب لا يمكنه أن يقوم بمهمته التمثيلية بصورة جيدة، وطالما أن الولاء الحزبي والسياسي يتقدم حتى على الولاء الوطني، فإن النائب لا يمكن أن يقوم بدوره كما يجب، وها يعني ضياع إرادة الناخبين وتعطيل أصواتهم وخياراتهم، وهو يعني أيضا بأننا سنُقاد تشريعيا بواسطة نائب بالاسم وليس بالفعل والدور والحضور.

أما نقص التحصيل العلمي فهو يؤدي أيضا إلى تصعيد أناس إلى مجلس النواب لا علاقة لهم بوظيفة النائب ولا يمكنهم التصدي لها وضبط مستلزماتها، والأشد خطورة من هذه الشائبة، عندما يكون الناب بلا ثقافة موسوعية أو تخصصية، فهو في هذه الحالة يصبح كالعبء على كاهل الدولة والشعب لأنه لن يكون قادرا على صناعة قرار ولا سن تشريع ما، وفي هذه الحالة يكون كالآلة التي تحركها المصالح أو الجهات التي يتبع لها، وفي هذه الحالة يكون كالعبد المأمور لحزبه أو كتلته أو الجهة السياسية التي ينتمي إليها، مضافا إلى ذلك أن هذا الولاء الفرعي الصغير سوف يلغي الولاء الأهم والأكبر وهو الولاء للشعب والوطن.

هذه الصورة التي عُرضت في أعلاه تم عرها بلا تزويق ولا رتوش، كونها الحقيقة التي ترسم صورة السياسي والنائب الذي يسلك جميع الطرق كي يصل إلى قبة البرلمان أملا في المنافع والامتيازات المادية الضخمة، وهو بذلك يكون أداة لحزبه كي يساعد على التمويل وما شابه من احتياجات قد تكون على شكل مغانم حزبية أو فردية، وكل هذا في واقع الحال يأكل من جرف المواطن ويتجاوز على حقوقه، وفي هذه الحالة بدل أن يكون البرلماني ممثلا لشعبه ومحققا لآماله ومصالحه، ينقلب إلى عقبة كبيرة في تحقيق تلك الآمال.

إذاً هنالك الكثير مما يعوز البرلماني، ولو أننا أجرينا مسحا لتلك الشوائب والنواقص، سنجد أنها ضربة قوية للعمل الديمقراطي وللنظام العادل، كما أن مهمة مجلس النواب سوف تتحول من مهمة الرقابة إلى الابتزاز والتربح والحصول على صفقات تعود على النائب وحزبه بأموال طائلة هي ليست حقا له ولا لحزبه، ولأن الامتيازات الفردية للنائب ومعيته ضخمة، فإنه سيكون طيعا وقابلا بكل ما يُملى عليه حتى لو كان يناقض القسم الذي حلف به حين انتسابه للبرلمان.

ومما يُستغرب منه حقا، ذلك التبويب الخطير للصرفيات المادية للنواب، بحجة المرض، أو تحسين المعيشة، أو السكن، وجملة الامتيازات الأخرى، ولو أرادت الطبقة السياسية أن تتخلص من هذا الانحراف ما عليها سوى معالجة هذه الشوائب والأدران التي علقت بمجلس النواب وأعضائه، ليتحول البرلمان من مهمته الرقابية التشريعية إلى وظيفة الشريك في مع السلطة التنفيذية من خلال دس الأنف في كل صغيرة وكبيرة، ليس من أجل الرقابة وإنما التقاسم بالتفاهم على المغانم والصفقات.

مجمل هذه النواقص والأدران لا يمكن أن تسمح للبرلماني بأداء دوره بإخلاص ومهنية ووطنية صافية، فما هي النتيجة المتوقعة بعد لك؟، إننا حتما سنكون أمام تجربة برلمانية ضعيفة فاشلة مترهلة، تنتهي بالنتيجة إلى فشل الديمقراطية، ولكن ما هو المتوقع بعد لك؟، هل يمكن الاستمرار بمثل هذا النظام المتردي المشوه؟ بالطبع لا يمكن ذلك، وهل هناك فرصة للتصحيح وغسل الأدران العالقة بالبرلمان؟ بالطبع هناك فرصة للعودة إلى جادة الصواب، والخروج من ربقة الانحراف.

كيف الخروج من هذه الدوامة، الأمر بالغ الوضوح، فقد مرت دورات انتخابية عديدة لمجلس البرلمان ومجالس المحافظات، وينبغي أن تكون هذه الدورات ملية بالدروس المفيدة ليس للبرلماني وحده وإنما للطبقة السياسية كلها (الأحزاب، الكتل، الحركات، الشخصيات المستقلة)، فهؤلاء لا تزال أمامهم فرصة الانقلاب على الأوضاع المشوهة، وتعديلها بصورة مناسبة من خلال الاستفادة من التجارب السابقة، فما يحتاجه العراق اليوم نائب مكتمل، قادر على أداء دوره كما يجب، مثقف، خبير، عارف وعالم، متنور، مخلص، وطني، صاحب ضمير حي، مثل هذه المواصفات يمكنها أن تقدم مجلس نواب قادر على الخروج بالعراق إلى مرفأ الأمان بنجاح وسلام.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1