يعيش العراق تحضيرات تشكيل اول حكومة بعد هزيمة داعش الاجرامية، حكومة يعتقد الكثير من المواطنين والمتابعين انها ستكون مختلفة عن سابقتها، استنادا الى عدة مؤشرات ابرزها تفكك المنظومة الحزبية القديمة، والتحالفات السياسية التي تشكلت منذ عام 2003 والتي لم يعد لها وجود، بل اصبح الحديث عن عودتها شبهة تجلب لصاحبها "العار السياسي".

موجة من التفاؤل لدى الشعب والقيادة السياسية، الحزب الذي سيطر على مقاليد الحكم لم يعد له سلطة مثل السابق، والكتل الكبيرة لم تعد تملك نفس سطوتها على نوابها، بدلالة ما حدث عند انتخاب رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، وما تبعه من انتخاب رئيس الجمهورية برهم صالح، لتنتهي موجة التمرد على التقليد السياسي بتكليف السيد عادل عبد المهدي لتشكيل الحكومة رغم انه لم يكن من كتل اكبر او اصغر.

في البداية لا بد من الإقرار ان ما يجري انقلاب في الكثير من موازين السياسة العراقية، فالمنطقة الخضراء لم تعد مستقرة، تعيش حالة من الحركة وانتقال المهام بين اطراف كبيرة وصغيرة، كما ان رئيس الوزراء المنتهية ولايته قدم انموذجا مهما في التداول السلمي للسلطة عبر تخصيص جزء من مكتبه لصالح رئيس الوزراء المكلف عادل عبد المهدي.

لكن علينا ان لا نقع في الفخ، فالكتل السياسية منذ عام 2003 وحتى الان تقوم بحركات شعبوية لا تتعدى الشكليات التي تقنع الشارع بان التغيير قادم دون أي شيء ملموس، ففي سنوات ما بعد الغزو الأمريكي كان الشعب وخصوصا الشيعة يطمحون الى حكم شيعي يعيد لهم جزء من كرامتهم التي انتهكها حزب البعث، فاعلن الائتلاف الوطني الموحد الذي جمع الاطياف الشيعية في كتلة واحدة وهكذا فعلت الكتل الكردية عبر انشاء التحالف الكردستاني، بينما كان السنة خارج اطار المعادلة ورغم ذلك تم اعطائهم مجموعة من المناصب والوزارات لتثبت الحكومة انها ليست طائفية، الا انهم عبر تقسيم المناصب بين السنة والشيعة والاكراد اسسوا لخطاب متشنج أساسه النبش في التاريخ الطائفي واتهام الاخر ليقع البلد فريسة حرب أهلية طاحنة.

في الدورة البرلمانية الثانية عام 2010 لا تزال ترسبات الخطاب الطائفي متواصلة مع تصدع بعض أطرافها، أصبحت الكتل السياسية تحج يوميا الى مدينة أربيل لضمان الحصول على منصب رئيس الوزراء او وزارة سيادية، فالكرد في حينها كانوا بيضة القبان التي يمكن ان ترفع من اسهم من لا اسهم له، في هذه البيئة ولدت حكومة ميتة، الا انها رفعت شعار "العزم والبناء" فركزت على خروج القوات الامريكية دون ان تبني ما نادت به.

حكومة "العزم والبناء" هدمت ما تبقى من مؤسسات الدولة العراقية وحاولة استنساخ تجربة الشخص الواحد مع بعض التعديلات، اختصرت الكثير من مؤسسات الدولة بشخص رئيس الوزراء، او سيطر عليها بطريقة غير مباشرة، وتحول الوزراء والمدراء شخصيات دكتاتورية كل حسب موقعه، أدخلت "حكومة العزم والبناء" العراق في نفق من الازمات الكارثية، ابرزها اعتصامات الرمادي والحويجية وغيرها من التظاهرات في المناطق السنية التي عبرت عن حالة الغضب الشعبي ضد الحكومة في ذلك الوقت، اختتمت حكومة السيد نوري المالكي في حينها مشوار الفشل بالتنازل عن ثلاث محافظات تمثل ثلث العراق الى جماعة داعش الاجرامية. ما السبب؟ انه غياب النظام المؤسساتي واختزال الدولة بمجموعة صغيرة من الأشخاص.

استشعرت الكتل السياسية العراقية والراعي الإقليمي والدولي ان بقاء الوضع على ما هو عليه يهدد بمحو العراق من خريطة العالم وتحوله الى دولة صغيرة، جاء الراعي الدولي في ظلمة الليل بحكومة طوارئ ترأسها السيد حيدر العبادي ليقود مرحلة استعادة الأراضي المحتلة ويُرقّع ما فشلت الحكومة السابقة في الحفاظ عليه.

خطابات السيد العبادي أسهمت بشكل كبير في امتصاص الخوف الذي خيم على الشعب العراقي من المصير المجهول، لذلك حصل على دعم شعبي وسياسي ومن المرجعية لم يحصل عليه أي سياسي اخر، واطلق حملة الإصلاح بترشيق الوزارات ثم تبعها باخرى لم نفهم منها سوى القرارات، فلا وظائف ولا ميزانية استثمارية طوال اربع سنوات، وارتفع مستوى البطالة ومعها دين العراق الخارجي والداخلي، ليختتم العبادي أيامه بالفوضى التي اجتاحت البصرة مطالبة بماء صالح للشرب ووظائف وعد العبادي فيها اكثر من مناسبة دون ان ينفذ منها أي شيء. لم يفعل العبادي أي شيء في مجال بناء النظام المؤسساتي في الدولة العراقية كما فعل سلفه المالكي.

اليوم تساير الكتل السياسية احتياجات الشارع وقدمت النموذج الذي يرغب به، مرشح يشبه المستقلين، يحمل عددا من الشهادات الجامعية تجعلك تعتقد ان العراق مقبل على نهضة كبيرة، وتنازله عن منصبه تدفع الجميع ليقدموه انموذجا في الزهد السياسي.

اليس هذا ما يحتاجه العراق؟ نعم هي ذات المواصفات التي يتمناها كل عراقي، والسيد عادل عبد المهدي لا باس به على الأقل وفق الحقائق الموجودة، واذا ما تم مقارنته فهو الأفضل بين من تم ترشيحه لرئاسة الوزراء منذ سقوط البعث وحتى الان. لكن العراق لا يحتاج الى شخص واحد، فمهما كانت قوته لا يمكنه معالجة الازمات وحده.

العراق بحاجة الى نظام مؤسساتي يضع الدولة في مسار الحركة الذاتية دون انتظار القائد الضرورة، فالنظام يسير بغض النظر عن شخص الرئيس او الوزير، ومتى ما اصبح الوزير عبارة عن موظف حكومي ورئيس الوزراء لا يتحول الى صنم في ذلك الوقت يحق لنا ان نتفاءل، اما ان نضع نجاح الحكومة بمجيء شخص ناجح وقوي فهذه مقاربة بعيدة عن الواقع.

..............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1