أهالي مدينة البصرة تعرضوا قبل فترة لأزمة صحية حادة بسبب تلوث مياه الشرب، ونجم عن ذلك تسمم عدد كبير من ابناء المدينة وغصّت المستشفيات بالمصابين بأعراض مختلفة، وقد بلغ العدد حسب أحد الاخوة هاتفني مؤخراً، بلغ الى 18الف حالة، وربما يكون العدد أكثر، كما الاحتمال بالتناقص مع الاجراءات الاحترازية والمبادرات الخيّرة من جهات مختلفة لمواجهة أزمة مياه الشرب في البصرة.

أهالي هذه المدينة العزيزة والمعطاءة بتمورها ونفطها وثقافتها، يتطلعون الى الخيّرين من اخوانهم في الوطن وايضاً في الايمان، في كل مكان، كما يتطلعوا ايضاً من الحكومة والنواب الذين انتخبوهم، بأن يؤدوا الواجب الانساني والاخلاقي إزاءهم، ولا يتوقعوا بأن يكونوا محط مزايدات افتراضية على فعل الخير من اشخاص أنكروا الادعاءات بتدخلهم في هذا المضمار، ويتحولوا الى فرصة جديدة للبعض ممن يعتقدوا بامكانية لافكار خاصة لا تمتّ بصِلة الى واقع وهوية الشعب العراقي.

وحالة العطش في البصرة، هي نفسها حالة اليتم والعطل عن العمل او فقدان المسكن اللائق والكريم وغيرها من الحالات الانسانية المحتاجة الى التضامن والتعاون، وهو ما نعيشه طيلة الخمسة عشر سنة الماضية، وقد نهضت العشرات من المؤسسات والهيئات والجمعيات بمسمّيات عدّة في العراق، وحتى خارجه، لتقديم شتى اشكال المساعدة العينية والمالية الى المحتاجين والمتضررين من سوء الاحوال الاقتصادية، ومن قصور الأداء الحكومي، وللأمانة والموضوعية، فان ظلال المرجعية الدينية في العراق غطت مساحة كبيرة من النشاطات، هذا الى جانب الخيّرين من ابناء المجتمع العراقي المعروف عنه النخوة العربية والتكافل والتعاون.

فكيف يسمح البعض لنفسه –والحال هكذا- بان يوهم متابعي وسائل التواصل والانترنت، بوجود امرأة تمتهن الدعارة بأنها الافضل في تقديم المساعدات الى البصرة من (....) او أن المطرب كاظم الساهر –مثلاً- قام بإرسال أكداس من قناني مياه الشرب الى البصرة، وبعد ايام صدر نفي منه لما نشر بالنيابة عنه.

ومع افتراض صحّة أن يقوم صاحب ملهى ليلي أو نادي للقمار وما أشبهها، بمد يد العون لمساعدة محتاجين في أزمة معينة في مدينة مثل كربلاء المقدسة، فكل شيء وارد، والانسان حرٌ في قراراته وتصرفاته، بيد أن هذا الانسان لن ينسى حقيقة جوهرية في الحياة وهي؛ التناسب بين الاشياء، فلا يمكن تمرير بعض الافكار بطريقة جدلية عفا عليها الزمن، وقد أكد القرآن الكريم من قوانين وسنن الحياة المتوافقة مع الفطرة والعقل، وفي غير آية كريمة ينفي القرآن الكريم اجتماع النقيضين، ويطرح التساؤل لمن يهمه الأمر: (...هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)، (سورة الزمر، الآية9). والآية الكريمة الاخرى: (وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ* وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ)، (سورة فاطر، الآيات:19-22).

ولمن يوهم نفسه بحصول هكذا أمور، عليه التأكد من ان صاحب محل لبيع المسكرات –مثلاً- لو زاره شخص متديّن، لسبب او لآخر، فانه لن يقدم له الماء بكأس مخصص للمشروبات الكحولية، انما سيراعي مشاعره ويحترم عقيدته. هذا الانسان، وايضاً من مشاهير السينما والرياضة والفن ممن يرومون التقدم بمبادرات انسانية، لا ينطلقون من ازمة فكرية معقدة كالتي يعاني منها البعض ممن خسروا هويتهم وتراثهم أمام قوى حضارية متربصة بهم، فيما يطلق عليه بـ "الاستلاب الفكري والثقافي"، وانما ينطلقون من فهمهم الخاص للقيم الانسانية والاخلاقية، من قبيل حب الخير للآخرين، ونبذ الكراهية والعنف.

ان الشعور بالهزيمة النفسية في معركة الفكر والثقافة يدفع بالبعض لغض النظر عن المنجزات والنقاط الايجابية الكثيرة في الساحة التي من شأنها خلق مجتمع مسؤول وانسان رسالي مؤمن بالقيم والمبادئ قادر على فعل الكثير من الاعمال والمشاريع في ميادين التنمية والإصلاح ومواجهة التحديات مهما كانت.

أما الإصرار على تكريس حالة الدونية أمام الاخرين، فانها بالحقيقة تكشف عن فراغ روحي كبير وإبخاس لحقوق الاخرين من مؤسسات وجماعات وشرائح واعية ومتفاعلة مع الاحداث، وعندما تعمل وتقدم فانها شعارها: "منكم واليكم"، وليس فيها أي نوع من التفضّل والمنّ وطلب للشهرة، وهذا ما لاحظناه في مبادرات انسانية لا تُعد خلال السنوات الماضية في مواجهة تحديات ليس أقلها تغطية احتياجات الحشد الشعبي في سوح المعارك، وقبلها تغطية حاجات الايتام والارامل والعوائل المتعففة بمختلف انواع المساعدة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1