تبحث هذه المقالة في دلائل النزعة الأنانية للطبقة السياسية بصفة عامة، في شقيها الدولي والمحلي، وتتخصص في السياسات الحكومية وليس الفردية أو المدنية، وتسعى لتحديد وإظهار الطابع الأنوي للسياسة الدولية، وتعرّج على السياسة في العراق، طبيعتها وتوجهاتها الأنانية بدلالات مستمدة من عمق الواقع السياسي، وفي (اللغة يُقال ساس الأمر سِياسة كما أشار ابن سيده، وقبله الصاحب بن عباد أيضا، والسياسة فعل السائس، والوالي يسوس رعيته، وسُوِّس فلانٌ أمرَ فلاناً، كُلِّف بسياسته، وقال الفيروز آبادي: وسست الرعية سياسة أي أمرتها ونهيتها. وهي مأخوذة من الفعل "ساس"، أو هو مأخوذ منها، واصطلاحا تعني رعاية شؤون الدولة الداخلية والخارجية/ وكيبيديا).

وتعرّف إجرائيا حسب هارولد لاسويل بأنها دراسة السلطة، أي دراسة تقسيم الموارد في المجتمع عن طريق السلطة. وعرفها الشيوعيون بأنها دراسة العلاقات بين الطبقات، وعرف الواقعيون السياسة بأنها فن الممكن أي دراسة وتغيير الواقع السياسي موضوعيا وليس الخطأ الشائع وهو أن فن الممكن هو الخضوع للواقع السياسي وعدم تغييره بناء على حسابات القوة والمصلحة.

والسياسة هي علاقة بين حاكم ومحكوم وهي السلطة الأعلى في المجتمعات الإنسانية، حيث السلطة السياسية تعني القدرة على جعل المحكوم يعمل أو لا يعمل أشياء سواء أراد أو لم يرد، وتمتاز بأنها عامة وتحتكر وسائل الإكراه كالجيش والشرطة وتحظى بالشرعية، ومع أن هذه الكلمة ترتبط بسياسات الدول وأمور الحكومات فإن كلمة سياسة يمكن أن تستخدم أيضا للدلالة على تسيير أمور أي جماعة وقيادتها ومعرفة كيفية التوفيق بين التوجهات الإنسانية المختلفة والتفاعلات بين أفراد المجتمع الواحد، بما في ذلك التجمعات الدينية والأكاديميات والمنظمات.

الطبيعة المزدوجة للسياسة الدولية

وحول السياسة الدولية يرى (الأستاذ هولستي) بأنها عمليات التفاعل بين دولتين أو أكثر مؤكدا على الصفة الحكومية لهذا التفاعل، في حين عرّفها بتشالا بأنها "سلوك ساعٍ إلى تحقيق الأهداف تقوم به الوحدات السياسية (كالدول) التي تتفاعل مع بعضها بشكل تنافسي وتعاوني في نسق سياسي يتميز بغيبة الضوابط المركزية. بينما يشير كل من هوبكنز ومانسباك إلى الاتجاه ذاته بالتركيز على عنصر تحقيق الأهداف، وعلى الطبيعة المزدوجة للسياسة الدولية (الصراع والتعاون).

وأخيرا يعرفها مايكل هاس بأنها "ذلك الحيز من العلاقات الدولية التي توظف فيه القوة، والإجبار والمساومة لتحديد كيفية تخصيص الموارد العالمية بين مختلف الدول والتنظيمات الدولية".

إذاً جل ما تتصدى له السياسة الدولية وتنشغل فيه هو الموارد والثروات وكيفية الحصول عليها حتى لو أدى ذلك إلى توسلها بالقوة (الحرب)، أو (الحصار) أو الضغط الدبلوماسي، فالسياسة الدولية لا تعرف حدودا إنسانية ولا تنصاع إلى قيم محددة، المهم لديها تحقيق غاياتها في السيطرة على الموارد بأنانية مفرطة في عالم اليوم، وإذا جاز لي تسمية أو وصف السياسة المحلية للدول بأنها وليدة السياسة الدولية الأعم والشمل، فمن الطبيعي أن تحمل الحكومات المستقلة للدول الكثير من صفات وسلوكيات وأنانية السياسة الدولية.

ونموذج السياسة أو السلطة التي نبحثها في هذا المقال هي السياسة في العراق، وطبيعتها وأهدافها، وكيف تفكر الطبقة السياسية الحاكمة أو العاملة في هذا البلد وما هي توجهاتها، وهل تمكنت من تثبيت أسس صالحة لدولة مستقرة تنزع إلى التطور ومجاراة العالم المتقدم، أم أنها تتسم بآنية الأهداف وأنانية السلوك؟.

لقد ذكر بعض علماء السياسة التي ورد ذكرهم في صدر المقال أن أهداف السياسة الدولية ذات طابع مزدوج، يقوم على التنافس والصراع، وهذا يؤدي إلى المساومة والإجبار واللجوء إلى التحالفات واستخدام القوة بأنواعها، فهل هذه العلامات يمكن أن يعثر عليها الدارس والباحث في السياسة العراقية، خصوصا بعد أن بدأت حقبة أو مرحلة أُطلِق عليها بـ الديمقراطية، وفي سؤال أوضح وأكثر صراحة، هل استخدمت الطبقة السياسية (داخليا) المساومة، الصراع، التعاون أو التحالف، وما هي الأهداف التي دفعت الساسة العراقيين إلى هذا الأسلوب المستنسَخ عن السياسة العالمية أو الدولية؟.

استنساخ الأساليب السياسة السيئة

إن الإجابة عن الشق الأول من السؤال، تؤكد صحة استنساخ الظواهر (السيئة) التي اعتمدها السياسة الدولية، فقد ساد في الطبقة السياسية العراقية أساليب (المساومة)، واصطفاف الشلل أو التكتلات ليس من أجل الصالح العام أو لتحقيق ما هو صحيح ولائق بالدولة والشعب، وإنما من أجل تحقيق أهداف ذات طابع أناني بحت، ينتهي بالنتيجة إلى توفير مصالح آنية أنوية لأفراد الطبقة السياسية، لذا ساد منطق الصراع، المساومة، الاصطفاف ضد الحق، الابتزاز، وسوى ذلك من أساليب لا تتردد السياسة من اللجوء إليها بغياب تام أو شبه تام للقواعد الأخلاقية التي لم يعد لها أي وجود.

كيف يستدل الباحث على اعتماد الطبقة السياسة لهذه الأساليب التي ذكرها العلماء المختصون في تفسيراتهم وتعريفاتهم للسياسة بوجه عام، إن دراسة خمسة عشر عاما من النشاط السياسي للطبقة العاملة في الساحة، تكفي للاستدلال على انتعاش أساليب القوة والإجبار والمساومة والصفقات بين العاملين في الميدان السياسي، ولعل أبرز الدلائل على ذلك (ليس ما تطرحه وسائل الإعلام ومواقع التواصل) من صراع وتشويه متبادل للكتل والأحزاب فحسب، وإنما أشد الدلائل وأكثرها وضوحا على أنانية الطبقة السياسية هو واقع حال العراقيين ونسب الفقر وانعدام الضمان الصحي وتصفير الخدمات الأساسية أو نزولها إلى الثلث.

في الأفق تلوح فرصة جديدة قوية ومواتية جدا للساسة العراقيين لإثبات حقيقة وجودهم، ونأيهم عن الأساليب السابقة المستنسخة عن السياسة الدولة وأساليبها (الصراع والمساومة والقوة)، هذا الأفق الجديد مرهون بطبيعة الحكومة العراقية الجديدة، فإذا اتعظت الكتل والأحزاب العراقية وكل الطبقة السياسية من دروس الإخفاق السياسي والإداري في العقد والنصف الذي مضى، وسارعوا إلى تغيير منهجهم الخاطئ في التعاطي مع إدارة الحكم، بطريقة مختلفة تقوم على نبذ (الاصطفاف الباطل)، والمساومة الخرقاء، وترك المصالح الكتلية الحزبية والفردية، والانتباه إلى بناء الدولة وإنصاف الشعب، فإن الحال سوف يختلف كثيرا وأن أواصر الثقة سوف تمتن بين الحاكم والمحكوم، ولكن هذا لن يتم بصورة آلية أو بمجرد الاتفاق الشفوي بين العاملين في السلطة والسياسة.

المطلوب هو التغيير المنهجي القائم على التخطيط والتنظيم وتقديم البرامج المكتوبة، ومغادرة الأساليب القديمة في التعامل البيني والجمعي، وإنعاش الثقة المتدهورة بين مكونات وأحزاب وأفراد الطبقة السياسية فيما بينهم أولا، ومن ثمة إعادة الثقة بين الساسة والشعب، ويمكن أن يتحقق هذا في عهد الحكومة العراقية الجديدة إذا عرف ساسة العراق جميعا، مواطن الخلل السابقة وأصروا على تجاوزوها إلى ما هو أكثر واقعية وقدرة على تحقيق مصالح الشعب أولا وقبل مصالحهم التي اعتادوا على أن يضعوها في المقدمة في سلوك خاطئ وجسيم ينبغي أن تغادره الطبقة السياسية إلى الأبد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

9