لا يمكن لاحد نفي وجود نفوذ لدى حركة انصار الله الحوثيين، وهذه القوة وجدت تطبيقاتها العملية من خلال اعاقة تقدم قوات التحالف العربي الذي تقوده السعودية لأربع سنوات، حتى بات الاستيلاء على مدينة الحديدة حدثا عالميا لشدة المعارك، وليس هذا فحسب، انما للحوثيين مجال اوسع للتحرك خارج حدودهم، فهم يقصفون العاصمة السعودية الرياض بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، بالاضافة وصولهم مؤخرا الى عاصمة الامارات ابوظبي وضرب مطارها بطائرة مسيرة ايضا.

لكن لكل جماعة مسلحة حدود للتحرك مهما كانت قوية، وهناك من يستطيع كسر احد اجنحتها لمنعها من التحليق بعيدا او محاولة الوصول الى الاهداف الاستراتيجية لخصومها، فما حدود الفعل الاستراتيجي لدى هذه الجماعة المسلحة؟ وهل هي متماسكة لتستطيع الاستمرار على نفس المستوى، ام انها ستنهار من الداخل نتيجة تركيزها على الانتصارات الخارجية؟

في السعودية لا ترى قيادات المملكة في الحوثيين الا امتداد وليس لهم أي اصل يمني، فهم لا يستحقون المشاركة في حكم اليمن، وليس من حقهم بسط نفوذهم على أي مدينة كانت، لانهم يمثلون الامتداد الطبيعي للنفوذ الإيراني في المنطقة، وهو ما يفرض على كل العرب مواجهة هذا التدخل الإيراني في شؤون الدول العربية، ورسخت الرياض عبر وسائل اعلامها صورة إيرانية عن حركة "انصار الله" الحوثيين، حتى بات يصعب التمييز بينهم وبين قوة فيلق القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني. هذا العامل بالتحديد هو الذي زاد من قوة الجماعة عسكريا ومد نفوذها اجتماعيا مستفيدة من عوامل السخط الشعبي من الأوضاع البائسة للدولة.

اما على ارض الواقع فالامتداد الطبيعي للحوثيين هم القبائل اليمني التي تعتنق المذهب الزيدي والتي ترى في الدول العربية عدوا لها، أولا لانها تناصر الدول الغربية وإسرائيل التي لها نصيب كبير من الكره هناك، وثانيا لانها تركت اليمنيين يواجهون مصير الجوع والحرمان في الوقت الذي تناطح البنايات الخليجية السحاب، ويعيش الشعب الخليجي رفاهية غير موجود حتى في الدول الاوربية، حيث الراحة والمال الوفير بدون أي جهد. وقد وعد الحوثيون الشعب اليمني بالخير والإصلاح وتخليصهم من أعوان الخليجيين والغرب الذي يستغلهم، فحصلوا على تاييد كبير، لا سيما بعد ان اثبتوا جديتهم في التصدي لحكومة علي عبد الله صالح وخاضوا ضده ست حروب، اذ يعتبر صالح في نظر اليمنيين احد اركان الدمار الذي أصاب البلاد.

بينما كان الحوثيون يعززون علاقاتهم بالقبائل والقواعد الشعبية الساخطة على الممالك الخليجية والدول الغربية، كانت دول الخليج تشتري السلاح لانها شعرت بالخطر، فبدأت بالاستعداد للحرب الحتمية، الا انها لا زالت حتى قيام الربيع العربي بعيدة عن الشعب اليمني، وتؤيد الرئيس المكروه لدى الشعب علي عبد الله صالح، فيما أضاف الحوثيون الكثير من الأنصار الى جانبهم حينما شاركوا بالثورة اليمنية، الى ان تنازل صالح وصعد عبد ربه منصور هادي، وتسارعت الاحداث حتى سيطروا على العاصمة صنعاء ووصلوا الى محافظة عدن.

ارتكب الحوثيون الخطأ بالسيطرة على مقاليد الحكم دون ان تكون لديهم الخطة الواضحة لكيفية تسيير شؤون الدولة في ظل الرفض السعودي والخليجي لهم، ولم تمضي فترة طويلة حتى هاجمت السعودية بتحالفها مع الامارات، اليمن، معلنة "عاصفة الحزب"، لاقتلاع الحوثيين من جذورهم بالأسلحة التي كانت تشتريها طوال سنوات استعدادا لهذه الحرب، ولأنها تملك الكثير من الأسلحة ظنت الرياض انها ستنهيها في أيام او أسابيع قليلة.

وتعلم الرياض ان اقتلاع الحوثيين يتطلب عزلهم عن القواعد التي يستندون اليها، وهم جمهورها اليمني الذي بنى علاقة قوية معهم طوال حروبهم ضد علي عبد الله صالح الموالي للسعودية، فركزت الرياض على وجود علاقة بين الحوثيين وايران، ووصفتهم بالمليشيات الانقلابية التي تحاول الاستئثار بالسلطة، وبعدها المليشيات الإيرانية، بغية افراغها من شعاراتها الوطنية التي تنادي بها، الا ان الرياض تنسى انها تعتبر غريبة في نظر اليمنيين وعدو أيضا.

السعودية التي تخاطب اليمنيين بـ"الإنقاذ"، ارتكبت أخطاء فظيعة، عشرات المجازر بحق المدنيين، سواء بأخطاء او بشكل متعمد، زادت من الصورة السلبية للسعودية وعززت حضور الحوثيين واحقيتهم في خوض المعارك ضد التحالف العربي، واستفادوا من التغطية الكبيرة لوسائل الاعلام العالمية للحرب اليمنية، التي وصفت بانها ابشع حرب في التاريخ الحديث.

تدخل الحرب عامها الرابع، ولا تزال موازين القوى نفسها، فالسعودية تملك المال والسلاح الحديث جدا، اما خصومها فيملكون الأرض وجزء كبير من الجمهور اليمني، كما عززوا مكانتهم في مجال التسليح سواء بالصواريخ الباليستية او الطائرات المسيرة، ليحققوا نوعا من التوازن في الحرب، الا انه يبقى غير مؤهل للمقارنة مع مستوى التسليح السعودي، في المقابل تبقى السعودية غير مؤهلة للمقارنة بحجم التأثير الشعبي الذي تحصل عليه داخل اليمن، فحتى المدن التي يفترض ان لها حضورا شعبيا بفعل الجانب الطائفي حصلت تظاهرات واعتصامات تطالب برحيل القوات السعودية والاماراتية نتيجة أسلوب الإدارة السيء للبلاد.

في دراسة له حول الوضع اليمني خلص المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات إلى أنه "نتيجة اختلاف أجندات الحلفاء في التحالف العربي، واحتدام التنافس بين الفرقاء المحليين، لم يؤت تحرير عدن التي تمثل العاصمة المؤقتة لحكومة هادي ثماره المتوقعة سياسيًا وعسكريًا". وتابع بقوله إنه "بدلا من أن تقدم المدينة نموذجًا لمستقبل اليمن، أضحى واقعها المليء بالصراعات والخلافات يستخدم دليلًا على فشل التحالف العربي في تحقيق الأهداف الرئيسية لعاصفة الحزم، ورهانًا على عجز الحكومة الشرعية وإفشال اضطلاعها بمهماتها في إدارة المناطق المحررة".

الخلاصة انه طوال السنوات الماضية استطاع الحوثيون تعزيز مكانتهم كقوة في اليمن، واستغلوا الانشغال الغربي والعربي عن اليمن الفقيرة جدا، فأسسوا امارتهم في قلوب اليمنيين، المليئة بالمشاعر المعادية تجاه كل ما هو غربي، فرفعوا شعارات الخلاص من الحكام الظلمة، ومحاربة الأعداء الذين يعاونون الظلمة، فالتف معهم الشعب وصار قوة ضاربة، كما انهم طورا أسلحة وربما استفادوا من الدعم الإيراني في هذا المجال، لتكون هذه الجماعة فاعلا سياسي وعسكريا يحسب له في التوازنات الاستراتيجية في المنطقة وتتلاشى خطط السعودية والامارات في القضاء عليها تماما كما وعدت "عاصفة الحزم".

في المعادلات الداخلية لا يمكن لأي حكومة قادمة ان تتشكل بدون مشاركة الحوثيين، وهم بذلك يضمنون وجودا سياسيا كبيرا لهم، وفي المعادلات الخارجية وصلت صواريخهم رغم غبائها الى أكبر العواصم الخليجية وأكثرها تحصينا، وهذا ما لم يكن يحلم به اكثر الناس تفاؤلا من انصار الحوثيين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1