الفساد السياسي هو الأصل في الفساد بشقيه الاداري والمالي، فالفساد السياسي هو المنطق الذاتي والتبريري في إجراءات وتطبيقات الفساد، وهو بهذا يكشف عن عملية تواصل وانتاج مستمر بين الأيديولوجيا الفاسدة فكريا والسلوك السياسي الفاسد اداريا وماليا، فالفساد لم ينشأ من فراغ في الفكر المعني بالفساد الأيديولوجي بل ينشأ من استساغته فكريا وأيديولوجيا، وهو ما يشكل محور التبرير الذاتي في منظومات الأيديولوجيات الفاسدة ونظرياتها في تكريس وتمرير الفساد، وهذا الجانب الفكري والنظري هو ما يشكل هوية الفساد السياسي وتعريفه لغرض تمييزه عن الفساد الاداري والمالي اللذان يشكلان أو يعبران عن تطبيقات وتجليات الفساد السياسي – النظري والأيديولوجي.

ورغم ان الفساد السياسي يعرف بأنه إساءة استخدام السلطة العامة لأهداف غير مشروعة – ويكيبديا الموسوعة الحرة – الا أنه تعريف يفتقر الى الدقة في إيضاح مفهومه وتمييزه عن الفساد الاداري والمالي ولو بشكل إجرائي رغم الصلة الماهوية بينهما، الا أن تمييز الحد في التعريف من الضرورات العلمية والإجرائية المهمة في صياغة وتعريف المفاهيم والمصطلحات.

فالفساد السياسي قد يكون على مستوى فئات وجهات يكمن في تصوراتها الفكرية والأيديولوجية رغم انها لم تصل الى مناصب عليا في السلطة أو لم تمسك بالسلطة بشكل كلي، لكنها وفي تلك المستويات خارج السلطة تؤسس وتبرر للفساد السياسي بشكل نظري وتطمح الى الوصول الى السلطة لأجل تطبيقات وتنفيذات مشروعاتها الفكرية والأيديولوجية الفاسدة ويكون ميدانها هو المجالات الادارية والامتيازات المالية في الدولة التي تكون ممكنة أو متاحة عبر السلطة، وتكون المضمرة وغير المعلنة هي الأيديولوجيات العنصرية والأيديولوجيات الجماعوية التي تشكو فيها فكرة الدولة من ضبابية قاتمة بفعل انحيازاتها الجماعوية العرقية والطائفية، اذ لا توجد في أدبيات وأفكار تلك الأيديولوجيات القومية - العنصرية والدينية – الطائفية بل وحتى الأيديولوجيات اليسارية – الأممية خطوطا أو مؤشرات واضحة حول هوية وتكوين الدولة.

وفي حالتنا هي الدولة العراقية مما يجعل من الدولة حالة هلامية وغير واضحة في هذه الأيديولوجيات، فالجماعوية الدينية والقومية والأممية العالمية في منطلقات هذه الأيدلوجيات على اختلاف توجهاتها السياسية والعقائدية هي التي لا تسمح لفكرة الدولة أن تتبلور وتتضح هويتها القانونية والسياسية في العلاقة بمجتمعاتها وشعوبها مما يتيح لها التلاعب والتزوير بكل الوسائل الممكنة للهيمنة والاستحواذ على الدولة بما فيها الانتخابات التي شكلت في عمليات التزوير الفاضحة لها اعلانا ناطقا عن عدم ايمان الاحزاب ذات المنحى الجماعوي والسياسيين الطائفيين والعنصريين بالدولة.

وهذا التقويض لمفهوم الدولة في النظرية السياسية هي دائرة الفساد الأولى في مخطط الفساد السياسي العام الذي يستبطن الفكر السياسي السالب لفكرة ومفهوم الدولة، وينتج عنه الحكر على امكانات السلطة والثروة بالنسبة لجماعة ما دينية أو عرقية، لكن هذا الحكر أو الاحتكار للسلطة والثروة يتسبب بالتشظي في هذه الجماعة الدينية – الطائفية او القومية – العنصرية، فالفكر العنصري أو الجماعوي – الطائفي هو فكر متشظ ومتجزئ بطبيعته وهويته الأيديولوجية وتلازمه حالة التشظي والتجزؤ حتى تتحول الى متلازمة كلية له في تطبيقاته وتنفيذاته وممارساته. فهو يبدأ بتشظيه الاجتماعي والسياسي بإيمانه التمييزي بعنصره العرقي أو الاثني المعين أو جماعته الدينية – الطائفية المعينة حتى اذا كسب السلطة وحظي بها بوسائل قد تكون ديمقراطية أو استبدادية فانه سرعان ما يتشظى العنصر الاثني او تتشظى الجماعة الدينية – الطائفية التي يتأسس بها أو يؤسس لها هذا الفكر المتشظي إيديولوجيا وبشكل متتابع في عملية من التشظي المستمر للمصالح والمنافع الضيقة الى تشظيات حزبية ثم مناطقية ثم عشائرية ثم أسرية وفردية، وينتج عنه النخر الاجتماعي في الهيكل السياسي والاجتماعي للمجتمعات المحلية، وهو النخر الذي يمارسه أو يكون مسؤولا عنه ذلك التنظير السياسي الفاسد فكريا ونظريا في مفاهيمه العنصرية والطائفية وهو ما لاحظناه في العراق بعد سقوط نظام الدكتاتور في العام 2003 م.

فالأحزاب الشيعية والسنية ذات المنحى والايديولوجيا الطائفية، والاحزاب الكردية ذات الاتجاه القومي – العنصري استندت في المطالبة بحقها في السلطة الى أيدولوجيتها الضيقة عن مفهوم الدولة أو غير المستوعبة لفكرة الدولة العراقية، وكذلك استندت إيديولوجيا الى نظرية الحق التاريخي لمكوناتها في الحكم وفق ادعاءات أدبياتها وأفكارها، وقد وصلت هذه الأحزاب المتشظية لديها مفاهيم الدولة والمجتمع الى السلطة والحكم بوسائل الديمقراطية الزائفة والانتخابات غير المنحازة اجتماعيا وشعبيا الى مفهوم الدولة ونظام الحكم الديمقراطي الحقيقي، وكان التشظي في مفاهيم الدولة والمجتمع لدى المنظومة الأيديولوجية والفكرية لهذه الاحزاب والجهات التي هيمنت على الدولة العراقية يقود الى التشظيات داخل منظومتها الاجتماعية أولا ثم الى تشظيات الممارسات الفاسدة لها اداريا وماليا حتى صارت تتشظى وزارات ومؤسسات ودوائر الدولة العراقية بين مناطقية تضيق الى عشائرية ثم تضيق الى أسرية وفق محاصصات أو تشظيات الطائفية السياسية والقومية العنصرية لتنتهي الى امتيازات تحظى بها الأسر التي تمسك بريادة وقيادة هذه الاحزاب ذات المنحى الطائفي والعنصري، وينتج عن تلك المحاصصات – الأسرية أو التشظيات السياسية – الحزبية ينتج عنها إدامة ذلك الزخم من الفساد الاداري والمالي.

ونتيجة التمايز البنيوي بين مفهوم الأسرة الاجتماعي ومفهوم الدولة القانوني والسياسي والذي يتحول الى تناقض بنيوي اذا أزيح هذا التمايز لصالح التداخل بين الأسرة والدولة طبعا في الدول ذات النظم الجمهورية حيث يُخضع الدولة هذا التداخل غير المبرر سياسيا وقانونيا الى الأسرة التي تتحول الى تنظيم شبه سياسي يؤدي الى مزيد من التناقض في بنيتها الاجتماعية والقرابية ويؤدي على مستوى الدولة الى مزيد من تراكمات الفساد اداريا وماليا، وينتج عنه ضغطا اجتماعيا وسياسيا على الدولة مما يؤدي الى انفجار احتقانات الفساد، فتكون الدولة والأسر السياسية – الحاكمة وتفرعاتها معرضة الى خطر الفوضى والسقوط السياسي والاجتماعي.

وهو ما نشهده اليوم في الوضع المتأزم اجتماعيا وسياسيا الذي يمر به العراق وهو على حافة الانهيار والدخول في فوضى سياسية واجتماعية قد تكون أخطر من مرحلة الفوضى التي أعقبت سقوط نظام الدكتاتور في العام 2003 م.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2018Ⓒ
http://shrsc.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1