لم يعد عصرنا الراهن مناسبا للعنف والإكراه، وإذا ما تولّدت أهداف قائمة على الغزو والإخضاع، فهذا يتطلّب وسائل وطرق جديدة، خصوصا إذا تعلق الأمر بالإخضاع البدني والنفسي، وإذا كانت النفس تحقق ما تريده عبر الجسد، فإن السيطرة على الأخير تتطلب السيطرة على النفس عبر الثقافة والأفكار، لهذا دأبت الدول الغازية على التحوّل من الإخضاع بالقوة (المدفع)، إلى الإخضاع بالسيطرة على النفس والعقل...

هنا لابد من القول بأنه ليس هنالك فرق كبير بين الغزو الثقافي والاختراق الثقافي، فكلاهما يسعى إلى تحقيق نفس الهدف وإن كانا يختلفان في الوسيلة، ويعلل باسم خريسان ذلك بأنه إذا كان مفهوم الغزو الثقافي قد اقترن بمرحلة السيطرة الأوروبية المباشرة على العالم، فإن مفهوم الاختراق الثقافي قد اقترن بالتطور التقني في مجال الاتصالات والمعلومات بعيدا عن استخدام القوة العسكرية.

فقد ظهرت بوادر جديدة من الاختراق الثقافي الذي يقف وراءه هذه المرة لا مدافع الاستعمار، ولا أجهزة الدعاية المقاومة "للشيوعية"، بل يقف وراءه ذلك التطور الهائل الذي عرفته وسائل الاتصال السمعية والبصرية التي أصبحت تغطي جميع أرجاء العالم بواسطة البث عبر الأقمار الصناعية، تخترق جميع البيوت لتمارس الهيمنة الثقافية على بلدان العالم الثالث. وبالتالي فالاختراق الثقافي هو: " حركة انتقال الأفكار والقيم والعادات الغربية بشكل مكثف وغير مسيطر عليه إلى المجتمعات العربية، وما يماثلها في دول العالم الثالث، كما يمثل سياسة وإستراتيجية للتدخل في شؤون الغير بقصد التأثير في ثقافتهم وسلوكياتهم ومعتقداتهم، تدخلا كليا أو جزئيا بمختلف الوسائل.

أما هربرت تشيللر فيعرف الاختراق الثقافي على أنه: " مجموعة صيرورات يدمج من خلالها مجتمع ما في إطار النظام الدولي الجديد، والكيفية التي تجعل فئته الحاكمة تُقبَل عن طريق الإبهار، الضغط، القوة أو الرشوة على تشكيل المؤسسات الاجتماعية حسبما يتماشى مع قيم وهياكل المركز المسيطر للنظام، أو يتحول إلى داعية له".

وفي هذا الصدد يقول عابد الجابري لقد كانت إستراتيجية الاستعمار الأوروبي منذ العهود الأولى من القرن الماضي تقوم في كل مكان على مبدأ: " يجب إخضاع النفوس بعد... إخضاع الأبدان" إخضاع الأبدان يتم بالمدفع، أما إخضاع النفوس فسلاحه التعليم والثقافة، ولم يكن من الممكن في ذلك الوقت الدخول في عملية إخضاع النفوس دون المرور أولا بمرحلة المدفع (إخضاع الأبدان)، لم يكن الاتصال ممكنا إلا بعد احتلال الأرض شبرا شبرا، والإمساك بالسكان قهرا لتبليغ الرسالة إليهم، إما في السوق أو في المدارس، نعم لقد سبق الاستشراق المدفع ومعه البعثات التبشيرية وغيرها، ولكن مهمته لم تكن تتجاوز الاستكشاف لتمهيد الطريق للمدفع، أما إخضاع النفوس فهو يستلزم الاتصال المباشر والواسع الذي يمهد له المدفع ويحميه، أما اليوم فالاتصال من دون "مدفع" ممكن وإخضاع النفوس عن بعد من مسافة بعيدة أصبح أمرا ميسورا جدا، بفضل التقدم الهائل في وسائل الاتصال السمعية والبصرية، وإذاً فلقد انقلب الوضع انقلابا:" لم يعد إخضاع الأبدان شرطا في إخضاع النفوس، بل بالعكس غدا إخضاع النفوس طريقا لإخضاع الأبدان".

لقد عرّف القدماء من الفلاسفة البدن بأنه: " آلة تحركها النفس" وإذاً فإخضاع النفس يستتبع إخضاع آلتها (البدن) وينهي عابد الجابري تحليله بالقول: "تلك هي حقيقة الاختراق الثقافي في العصر الراهن، وذلك هو هدفه".

عرّفه محمد حوات بأنه: " مجموعة الأنشطة الإعلامية، الثقافية والفكرية التي توجهها الدولة أو جهة أو عدة جهات نحو مجتمعات وشعوب معينة، بهدف تغيير الاتجاهات وتكوين أنساق من السلوكيات والقيم والرؤى وأنماط التفكير لدى الشعوب المخترقة بما يخدم مصالح وأهداف الجهة التي تمارس عملية الاختراق".

وقد حدّد الجابري هذه العملية حيث قال: " ... إن الاختراق الثقافي يستهدف العقل والنفس ووسيلتهما في التعامل مع العالم: الإدراك، فهو يهدف إلى السيطرة عليه، اختطافه، وتوجيهه من خلال الصورة السمعية- البصرية، ومنه إلى تسطيح الوعي، أي جعله يرتبط بما يجري على السطح من صور ومشاهد ذات طابع إعلامي إشهاري مثير للإدراك، مستفز للانفعال، حاجب للعقل، ومع السيطرة على الإدراك يتم إخضاع النفوس بمعنى: تعطيل فاعلية العقل، تكييف المنطق والقيم، توجيه الخيال، تنميط الذوق، قولبة السلوك، والهدف تكريس نوع معين من المعارف والسلع والبضائع... إنه نمط الحياة الأمريكية، ولكن فقط في الجانب الاستهلاكي منه".

أما محمد حوات فقد حدد الأبعاد المشكّلة لمفهوم الاختراق الثقافي في العناصر التالية:

• جرّ ثقافة الشعوب والدول المستقبِلة إلى تبعية الدول المتقدمة عن طريق البث المباشر، واعتمادها على آلياته كلّيا في نشر وإنتاج القيم، المعارف، المعاني والأفكار سواء كان ذلك بسبب تفوّق الثقافة (المخترِقة) في قدرتها على مثل هذا الانتاج، أو بسبب انعدام ثقة المستقبِل بثقافته.

• تولّد أو سيادة الشعور بالتفوّق والاستعلاء لدى الدول الباثة (المخترِقة)، والنقص والدونية لدى الدول المتقبِلة (المخترَقة).

• تشجيع وجود نمط عالمي موّحد للسلوك الاستهلاكي، فتحت شعار " الجديد دائما" يتم استيراد آخر التقليعات الأمريكية الأوروبية، وفي كل يوم يُرمى القديم في المزبلة ليحل محله الجديد المُربح تجاريا للدول الغازية (المخترِقة).

• وضع العقبات أمام الجهود التي تبذلها الدول النامية لتثبيت دعائم استقلالها السياسي والثقافية ولضمان سيادتها.

• تعطيل الإرادة الوطنية للدول التابعة ثقافيا، وفقدانها السيطرة على إعادة تكوين ذاتها أو تجددها.

ولعل من بين وسائل الاختراق التي تمارسها هذه الدول الغازية على العالم وفي مقدمته الوطن العربي، نجد أن نسبة الأفلام الأمريكية مثلا تزيد عن 70% من الأفلام المعروضة في البلدان العربية، أما برامج التسلية التلفزيونية فتزيد عن 75% منها أمريكية، وفي العالم أجمع 10 وكالات دولية للدعاية، 9 منها أمريكية، و4 وكالات للأخبار، 2 منها أمريكيتان، أما البث عبر الأقمار الصناعية فالسبق والهيمنة هو للولايات المتحدة طبعا.

وتشير دراسات كثيرة أهمها كتاب " الاختراق الإعلامي للوطن العربي" لمجموعة من الباحثين، ان أكثر القيم السلبية بروزا في المسلسلات الأجنبية التي تعرض على شاشات التلفزيونات العربية هي: الفردية، القسوة، العنف، التعصب، العدوانية، الخيانة، السرقة والخداع وأن تلك المسلسلات الأجنبية سيما الأمريكية منها ترويج الجوانب الانحلالية، كإقامة علاقة جنسية غير شرعية بين الجنسين، كما أنها تعكس شعف الروابط الأسرية والاجتماعية على حد سواء، وأن معظم الموضوعات التي تقدمها المسلسلات الأجنبية لا تتناسب مع خطط التنمية، ومستوى التطور الاقتصادي الاجتماعي والثقافي في الدول العربية.

ولقد جاء في تقرير الحلقة الدراسية الإقليمية حول تأثيرات برامج التلفزيون العام في العملية التربوية (10 -14 جوان) في تونس ما يلي:

• ان معظم الأشرطة التي تقدم على شاشات التلفزيونات العربية بطريقة غير مرشدة، تجعل الإنسان في هذه المنطقة يحتك احتكاكا مباشرا مع ثقافات غير متعادلة مع الثقافة الأصلية، وغالبا ما يكون هذا الاحتكاك لصالح الثقافة الدخيلة مما يؤدي إلى انسلاخ ثقافي يتجلى في الخلط الذي تعرفه أنماط السلوك الاجتماعية.

• ان معظم هذه الأشرطة تمرر رسائل وخطابات ذات تأثيرات وجدانية ومعرفية تؤثر تأثيرا لا شعوريا على المشاهدين، مما يؤدي إلى تكوين اتجاهات غير مستساغة.

• تبث معظم هذه الأشرطة في لا شعور الإنسان العربي أن الوسيلة الوحيدة للخروج من التخلف واللحاق بركب الحضارة هو نكران الماضي الحضاري باعتباره عقبة في طريق التقدم.

وبشكل عام لخّص الجابري أيديولوجيا الاختراق في أنها لا تقدم مشروعا للمستقل أو تقدم نفسها كخصم بديل لآخر تسمّيه وتقاومه، وإنما تعمل على اختراق الرغبة في البديل ونشدان التغيير لدى الفرد والجماعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*هذا المقال ملخص لأهم الأفكار العصرية من كتاب الإعلام الفضائي والتغريب الثقافي للكاتبة لمياء طالة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0