يحاول الرئيس ترامب تحقيق اختراق في الملف الكوري الشمالي بدءاً من تطبيع العلاقات مرورا بنزع السلاح النووي الكوري، وتحقيق السلام في شبه الجزيرة الكورية، وهذا الاختراق على شاكلة اختراق نيسكون بتطبيع علاقات الولايات المتحدة مع الصين، وفي عهد أوباما مع كوبا.

ويبقى الملف الكوري الشمالي أكثر تعقيدا إذ طوال الثلاثين سنة الماضية، حاول رؤساء أمريكيون ورؤساء دول أخرى في العالم والأمم المتحدة، الضغط على كوريا الشمالية وحثها على التخلي عن برنامجها لصناعة أسلحة نووية لكن لم يحقق شيء.

بالمقابل عقد دونالد ترامب لقاءا مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ اون في سنغافورة لإنتزاع اتفاق فشل أسلافه في التوصل إليه. لكن يمكن اعتبار هذه القمة بالنسبة لأمريكا تجاه نظام سياسي منغلق غير مضمون التزامه بالإتفاقات والمعاهدات تنازلا كبيرا من جانبها.

من المفترض أن تتمحور نقاشات القمة حول طموحات بيونغ يانغ النووية التي تخضع لعقوبات دولية صارمة فرضها مجلس الأمن الدولي على مرّ السنوات السابقة مما سبب أزمات دولية وإقليمية. وتأمل واشنطن إلى نزع كامل لأسلحة شبه الجزيرة الكورية النووية، يكون قابلا للتحقق ولا رجوع عنه وللمحافظة على السلام الدائم والمستدام في شبه الجزيرة الكورية، حسب ما صرح به وزير الخارجية مايك بومبيو.

أجواء التفاؤل قد تكون حاضرة وطموحة

قد تتوافق بيونغ يانغ على التخلي عن برنامجها النووي، والعودة إلى الإنضمام لمعاهدة الحد من الإنتشار النووي واستقبال المفتشين الدوليين مقابل رفع العقوبات الاقتصادية والسياسية وإرسال مساعدات من المواد الغذائية والطاقة، مع إحتمال تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة وتوقيع معاهدة سلام تنهي رسميا الحرب الكورية (1950-1953).

كما يأمل ترامب على خيار آخر يتمثل بإعادة توحيد الكورتين ضمن محادثات وتفاهمات هذه القمة، إذا كان يحمل تفضيلات مقنعة للكوريتين تسهم في ضبط العلاقة وتوازن القوى ونزع السلاح وإنهاء التوتر وطرح بدائل وخيارات للأمن الإقليمي في شبه الجزيرة، تراعي المخاضات التأريخية والقيود الجغرافية والاجتماعية والنفسية، لكن هذا غير وارد لغاية الآن لتعنت الطرفين وإختلاف النهج والممارسة السياسية بين الكوريتين.

أجواء التفاؤل تحيط بها أجواء الإحباط بفشل القمة من حيث النتائج العملية فلا مهارات تفاوض يمتاز بها ترامب ولا كيم، كما أن التسرع والغضب قد يصدر من قبلهما في أي لحظة في سياق أي تصريح مضاد، كما حصل من جانب ترامب تجاه قمة الدول السبع الكبار في كيبك بعد تصريحات رئيس الوزراء الكندي. إضافة إلى تاريخ كوريا الشمالية في موضوع التنصل من المحادثات والإتفاقيات والمعاهدات، فبعد توقيعها إتفاق إطار عام ١٩٩٤ إنهار هذا الاتفاق عام ٢٠٠٢ لإتهام بيونغ يانغ بامتلاك برنامج تخصيب يورانيوم سري، ثم دخلت بمحادثات سداسية عام ٢٠٠٣ أفضت جولات المحادثات إلى إتفاق طموح عام ٢٠٠٥، لكن بيونغ يانغ أجرت أول تجربة نووية عام ٢٠٠٦ بعد إتهام واشنطن لأحد المصارف في ماكاو بتبييض الأموال لصالحها. ثم بدأت جولة محادثات في عام ٢٠٠٧ التزمت كوريا الشمالية بتجميد برنامجها النووي، وفجرت عام ٢٠٠٨ أحد محطات التبريد للبرنامج لكن سرعان ما لم يتفق الطرفان على الإجراءات للتحقق من نزع الأسلحة. ونهاية 2008 أعادت بيونغ يانغ تشغيل برنامجها النووي، كما اتفق الطرفان على إتفاق جديد عام ٢٠١٢ لوقف البرنامج النووي مقابل مساعدات غذائية لكن بيونغ يانغ خرقت الاتفاق وأجرت تجارب نووية جديدة وأنهت الاتفاق وفشلت المحادثات.

هذه المعطيات تؤشر محدودية المراهنة على قمة سنغافورة من حيث النتائج وقد لا تتعدى سابقاتها باتفاق إطار ينص بتجميد البرنامج النووي مقابل إنفتاح اقتصادي وسياسي حذر من جانب واشنطن ينهار في أي لحظة، لهشاشة الأرضية التي قد يقوم عليه الاتفاق فقمة عابرة تقفز على معطيات التاريخ وتعقيدات العلاقة المعقدة بين الطرفين تشي بذلك.

لكن في حال سير المحادثات بالاتجاه المطلوب من قبل الطرفين قد يفتح عصرا جديدا في تاريخ العلاقات الدولية في ظل نظام دولي تصنع قواعده من قبل الولايات المتحدة قائم على أساس مجموعة من القواعد الاقتصادية والقانونية والعسكرية المتفق عليها، لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها مما يؤدي إلى إندلاع الصراعات والإرتباك، ولهذا لابد أن تعمل الولايات المتحدة على إعادة صياغة النظام الدولي من خلال تعميم الآليات المتبعة في تقاربها مع بيونغ يانغ بشكل يتوائم مع توجهاتها إزاء إيران والصين وروسيا وفلسطين والأزمات المتفاقمة في الشرق الاوسط، عدا ذلك لا يمكن الرهان على نجاح قمة ترامب - كيم من حيث أثرها على السلام العالمي مالم يستكمل هذا النموذج الدبلوماسي مع بقية مناطق الصراع وبؤر التصدع الدولية والإقليمية.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001 2018Ⓒ
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5